كارثة سيول جدة التي قتلت أكثر من 100 شخص عام 2009م، فتحت الأبواب حينها على مصراعيها لملف الفساد الذي أودى بحياة كل هؤلاء الأشخاص، وغيرهم من المفقودين، إضافة إلى خسارة المواطنين لسياراتهم ومنازلهم واكتشفوا في بعض الأحياء أنها بنيت في أراضٍ لا تصلح للبناء حيث غرقت المساكن، ومات البشر، وتكشّف الفساد في صورة لم تكن أكثر وضوحاً من كارثة السيول التي بعثرت أوراق الفاسدين في كل المؤسسات التي تشترك في الكارثة من بلدية، ومقاولين، وأصحاب مخططات مسروقة، تم وضع اليد عليها بمساعدة آخرين وبيعت للمواطنين واستخرجت لها رخص بناء وأدخلت لها الكهرباء.

تكشفت البنية التحتية الهشة لمدينة بعراقة ومكانة جدة، واكتشف الناس أن جدة طريق الحرم المكي ومدخل الحجاج ليس في كثير من أحيائها صرف صحي وأنها لا تزال تستعمل الوايتات بطريقة بدائية، وتحولت أحياؤها ورقية بمجرد أن هطل المطر غرقت وأغرقت أهلها، تلك الفترة وصل الغضب حده من الفساد، وكان من نتيجة ذلك استدعاء المسؤولين للتحقيق، من بلديات ونقل وعقاريين، ولكن بعد مرور 9 سنوات ظل الملف معلقاً، دون أي نتيجة فعلية، فمن سجنوا خرجوا بسرعة ولم تُصادر أموالهم، الصغار قبل الكبار منهم، وتوقفت القضية على حدود "المسؤول الغائب"، ولم نعرف من هو المسؤول الحاضر حتى اللحظة!

مساء الأحد السبت الماضي عاش المواطنون ليلة تاريخية، عاشوا لحظة تأسيس السعودية الحديثة، عاشوا ليلة فريدة من نوعها وغير متوقعة "ليلة بداية الحرب على الفساد" حرب الملك سلمان الحازمة على أرض الواقع والتي أعلنها بكل قوة ويقود تنفيذها ولي العهد محمد بن سلمان، الحرب على الفساد وفتح أبوابه المغلقة والتي ظلت لسنوات حصناً منيعاً، لا يمكن اختراقه، يعرف الناسُ الفاسدين والذين يستولون على مقدرات الدولة وحق المواطن منذ سنوات طويلة، لكن الحساب متوقف والعقاب مؤجل!

هذا الملف الشائك ظل يؤرق المملكة ويضعنا دائماً في ترتيب متأخر ولا يليق بنا في ترتيب دول الفساد على مستوى العالم حيث حققنا المركز 62 عام 2016 وهو مركز يعيق بلاشك التنمية والقفزات الجديدة التي تسعى إليها المملكة وتركض من أجل تحقيقيها من خلال رؤية 2030، هذه الرؤية لن تتحقق دون البدء بالملف الأكثر أهمية والأكثر صعوبة وهو ملف الفساد، فتحه ومحاسبة "كائناً من كان" كما قال الأمير محمد بن سلمان، لا توقف أمام الأسماء أو الشخصيات فأمام القانون كلهم سواء، وكلهم مواطنون.

فُتح الملف ومن شأن هذا الفتح القوي أن يدفع بنا خطوات في ترتيب دول الفساد، ويجعل صورتنا ناصعة في هذا الملف الذي كان من ضمن الأسباب التي ترتكز عليها المنظمات في العالم للإساءة لنا، وفتحه ليس فقط سيدفعنا خطوات إلى الأمام، ولكن سيدفع بنا إلى ركب الدول المتحضرة والمنطلقة، والتي لا يمكن أن تواصل التقدم دون شفافية ودون محاربة الفساد والفاسدين، وتنظيف الأرضية ومسح الدرج من الأعلى وليس من الأسفل.

عاصفة حرب الفساد انطلقت وعلينا أن نكتب تاريخها ونحفظه ونسجله ضمن تواريخ مهمة للمملكة، تاريخ حرب بدأت دورتها بقوة وهجوم ضارب لتعيد الجميع إلى أحجامهم، وتبقى المملكة العربية السعودية الدولة القوية التي تضرب بيد من حديد، من استحق ذلك، حفظ الله بلادنا وحماها من الداخل والخارج..