في عام 2004 وإبان العمل الصحفي في صحيفة الشرق الأوسط لفت نظري في زاوية الرأي مقال للكاتب الأميركي المصري مأمون فندي تحدث فيه عن اختيار الفساد الأفضل لكل دولة عربية، وكأنه يشدد على أن القضاء على الفساد لا يمكن أن يكون كاملا، لكن من الممكن التخفيف منه وفق رؤية.. رأيت وأنا المنتمي لقطاع الرياضة في تلك الفترة أنه مستفز وهو الذي يقول:" أنا لست ضد الفساد في الدول العربية؛ لأن محاربة الفساد الآن قد تصل إلى حالة احتراب تؤدي إلى انهيار الدول، وذلك ببساطة؛ لأن الفساد في المنطقة العربية هو أقوى مؤسسة في الدولة وأكثرها قبولاً وشرعية، لذا أنا لا أنادي بحرب شاملة على الفساد، لكنني أدعو إلى حرب معقولة من أجل تقليص حجم الفساد إلى درجة معقولة، بحيث يمكن إدارته بشكل مقبول".

واستمررت لنحو ست سنوات وأنا ما زلت أصر على أن فندي ممن سهل النظرة الى الفساد وجعله مقبولا.. لأقرأ بعدها حديثا لواحد من أشد من حاربوا الفساد عبر التاريخ الحديث وهو عرّاب ماليزيا الحديثة وباني أمجادها وهو يتحدث في مؤتمر بالسعودية مع رجال الأعمال عن الفساد وكيفية معالجته ليقول شيئا أثار الاستغراب أهم مافيه قوله:" لا يوجد بلد في العالم يخلو من الفساد، وهو أكبر عائق لأن القرارات التي تعود بالنفع العام تتضرر من وجوده، ولأنه صعب القضاء عليه بشكل كامل، يمكن التخفيف منه".. هنا استدركت واسترجعت مقال مأمون فندي وكأني اجد فيه شيئا من الحقيقة مادام أن عراب القضاء على الفساد في الشرق الاسيوي وناقل ماليزيا من صيد الاسماك الى دول العالم الأول يشير الى ذلك حتى وإن كان ليس بنفس الاندفاع الذي عليه فندي.

لكن لأن الفساد كل لا يمكن قبول بعضه على رأي من ذكرناهما اعلاه فإن الملك سلمان بن عبدالعزيز قد توجه نحو الدولة الحقيقية المرتكزة على تنمية حقيقية تخلو تماما من الفساد ولا تسمح ببعضه أو تنقاد لجزء منه.. فإنه لم يركن للعاطفة أو مداراة الأمور ليأتي إعلانه مساء الأحد كمن يمسك متمكنا بيده جذور الفساد ليقتلعها من مكانها ويرمي بها الى مزبلة التاريخ.

الملك سلمان يرسخ مبدأ الدولة المتماسكة فعلا لا قولا،ويؤسس المفهوم الاستراتيجي للمجتمعات الحديثة التي تبني افكر افرادها إيجابا، وترتقي بحقوقهم، لذا لم يكن مقتنعا أن يكون للفساد اجزاء مسموح بها كما كان يقول فندي، ولم نجد في توجه الملك العظيم ما يرتهن الى مثل ما قاله مهاتير محمد " أنه بالامكان التخفيف من الفساد".. بل اتبع توجيه رب العالمين {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} فكان قرار مساء الأحد تاريخيا ما زال السعوديون يحتفلون بمفرداته وتوجيهه.

هنيئا لنا ببلادنا.. وهنيئا لنا بقائدنا سلمان بن عبدالعزيز وبولي عهده الامير محمد بن سلمان الذي أكد سابقا أن لا سبيل للتسامح أو تجزئة العقوبات ضد المفسدين بل اجتثاثا كاملا لن يفلت منه أي فرد سواء كان وزيرا أو أميرا.. لذا لم يكن غريبا أن يتولى الامير المتطلع لرقي بلاده وبتوجيه من خادم الحرمين الشريفين رئاسة لجنة عليا تقوم اللجنة بحصر المخالفات والجرائم والكيانات المتعلقة بقضايا الفساد.. وإلى الأمام يا بلادي..