لا توجد مكتبة تجارية في المدينة المنورة، شكلت وجداني، مثل المكتبة السلفية، لصاحبها عبدالمحسن اليماني، هذه المكتبة كانت تقع، في منطقة باب السلام، أمام المسجد النبوي مباشرة، كنت أصعد درجة أو درجات هذه المكتبة، كلما فرغت من كتاب، ورغبت في كتاب آخر، من هذه المكتبة، قرأت مؤلفات: كولن ولسون، سارتر، البير كامو، جوركي، دستوفيسكي، غوغول، إضافة إلى مؤلفات كتّاب عرب، أبرزهم: الطيب صالح، نجيب محفوظ، طه حسين، العقاد، مارون عبود، حسين مروة، ليلى بعلبكي، غادة السمان، وعشرات غيرهم، كنت أقرأ بنهم، حتى إن صاحب المكتبة عطف علي، وعلى مواردي المالية القليلة، فأعطاني عرضين، الأول استعداده لاستقبال الكتب التي أنتهي من قراءتها، وتقديم بديل اختاره، بشرط أن يكون الكتاب نظيفاً وخالياً من التهميشات، دون أن يحصل مقابل هذه الخدمة على أي مبالغ إضافية.. والعرض الثاني، أن أذهب، إذا رغبت، إلى مستودع المكتبة، في حارة البربورية، لاختار من هناك، وعلى راحتي، ما أرغب فيه من الكتب، التي قد لا أعثر عليها بسهولة في مقر المكتبة!

هذه المكتبة كانت شاملة، كل ما يطرأ على البال، من الكتب الحديثة والتراثية، كان موجوداً في هذه المكتبة، وكانت تعكس تفتح وبعد أفق صاحبها، الذي يطوف على الدول المنتجة للكتاب بنفسه، في إجازة تمتد طوال أشهر الصيف، لجلب أحدث ماتنتجه المطابع، وتقديمه للقارئ، وكنت أرى كلما زرت هذه المكتبة، أعيان المدينة وفيهم المسؤولون والكتاب، وهم يتفقدون ما تزخر به المكتبة. لقد تعاملت مع هذه المكتبة مبكراً، ولمدة ربما لم تتجاوز السنوات الخمس، اعتباراً من منتصف الستينيات الميلادية، حتى أواخرها، عندما غادرت المدينة المنورة إلى الرياض للدراسة، ومن ثم الإقامة الدائمة.

كانت الكتب، تأتي بالشاحنات من سورية، بعد أن يكتمل تجميعها، عبر البحر والبر من مصر والعراق ولبنان، وعلى حد علمي لم تكن الكتب آنذاك تخضع للرقابة، كما هي الحال بعد ذلك، هذا الوضع لم يكن قصراً على الكتب، لكنه أيضاً، كان ينسحب على عديد من وسائل المعرفة، فقد كانت المجلات الثقافية والفنية، على كافة اتجاهاتها، تعرض في مكتبة ضياء، التي لم تكن بعيدة عن المكتبة السلفية، وكانت هناك دور سكنية، تعرض أحدث الأفلام العربية والتركية والأجنبية، دون حرج أو خوف، وكان عرض الأفلام يستمر حتى ساعة متأخرة من المساء، بل إن الأفلام كانت تعرض في مناسبات الزواج، يرافقها الطرب ورقص المزمار والزير والخبيتي والبلوت، كان هناك انفتاح فطري، وفي ظل هذا الانفتاح، كانت نسبة الخارجين على الأخلاق العامة، تكاد تكون صفراً!

صاحب المكتبة السلفية، كان رجلاً متديناً، ذلك التدين الذي عرفناه عند آبائنا وأجدادنا، يعطي القدوية بسلوكه، أكثر مما يعطيه بتسفيه وتفسيق المخالف، لذلك لم يداخله الخوف على ولد في طور المراهقة، وهو يشجعه على القراءة، قراءة كل شيء، بالمال ودونه، رحمه الله كان رجلاً، عالماً، بأمور دينه ودنياه!