لا نريد للجيل الشاب في بلادنا أن يعتقد أننا بلد نشأ في «عصر البترول» وأن وجودنا الثقافي كان نتيجة للثروة التي حبانا الله بها، بل يجب أن يرى هذا الجيل موقع بلاده في الحضارة الإنسانية..

النقلات الثقافية التي يعيشها أي بلد هي جزء من ذاكرته الوطنية التي ستظل الأجيال تتذكرها وتستعيدها في كل مناسبة. أقول هذا الكلام بمناسبة انعقاد "ملتقى الآثار السعودية الأول"، والحقيقة أن مجرد ذكر "الآثار" في السابق كان يثير حفيظة البعض، لكن تغيرت هذه النظرة بشكل كامل مع العمل الدؤوب للأمير سلطان بن سلمان خلال العقدين الأخيرين. هذا التحول صار يعزز مكانة المملكة دولياً في المجالات الثقافية ويعطيها المكانة التي تستحق كقائدة للمسلمين في العالم. يعبر هذا الملتقى الذي يعقد لأول مرة (يوم الثلاثاء القادم في المتحف الوطني) عن حالة جديدة سيعيشها المواطن السعودي الذي لا يعلم كثيراً عن العمق الحضاري الذي تمثله بلاده، سوف يعيش قصة أرضه التي كانت ومازالت مهداً للحضارة الإنسانية ومفصلاً للتثاقف الإنساني، خصوصاً وأن معرض "طرق التجارة العربية" الذي لف قارات العالم سيحط رحاله في المتحف الوطني وسيرى أبناء المملكة هذا المعرض الذي يؤكد أن جغرافية بلادهم كانت موطناً للبدايات الأولى للحضارة الإنسانية.

يردد الأمير سلطان دائماً، بأن الجزيرة العربية هي "معجزة الإسلام" أو "معجزة القرآن"، وأن اختيار هذا المكان ليكون موطناً للوحي ومنطلقاً للرسالة المحمدية لم يكن مصادفة فهذه الأرض كانت مهيأة لحمل الرسالة وجاهزة لنقلها لكل أنحاء العالم. الآثار في المملكة تحمل في بعدها الكوني هذه الرسالة المهمة التي يقول عنها الأمير: إنها تفتح "نافذة" كبيرة على تاريخ الإنسانية لأنها أتت لتختم الحضارات الإنسانية وتفتح الآفاق العقلية للإنسان ليشكل ثقافته المعاصرة. الإسلام أتى مجدداً ومحرراً لعقل الإنسان والجزيرة العربية كانت تتشكل حضارياً لكي تستقبل هذه النقلة "العقلية" الكبيرة التي عاشها الإنسان بعد الرسالة المحمدية. إنها مثل "الرحم" الذي حضن الإنسان الأول لينطلق بعدها للعالم وحضن الإسلام في بدايته ليشكل ثقافة العالم.

النافذة الكبيرة التي يفتتحها ملتقى الآثار، هي إعادة التفكير في مكون الذاكرة الوطنية، لا نريد لآبناء الوطن أن يتوقفوا فقط عند تلك الذاكرة القصيرة التي يحاول أن يقنعهم البعض بها ليروا أن بلدهم "محدثة" على الحضارة أو طارئين عليها، أو أن أجدادهم مجرد بدو رحل. نريدهم أن يعودا إلى ذاكرة بلادهم الممتدة في الزمن التي تعود بعض المكتشاف الأثرية النادرة فيها إلى 9 آلاف سنة (حضارة المقر) فضلاً عن وجود "أول بيت وضع للناس" الذي أقام قواعده سيدنا إبراهيم، لكنه كان موجوداً منذ خلق الأرض، سؤال آخر يطرحه الأمير سلطان حول هذا الموضوع، فالنبي إبراهيم لم يأتِ لمكة المكرمة وهي خاوية من السكان بل نزل عند جرهم وكانت أرضهم مركزاً تجارياً وثقافياً مهماً. لقد أمر إبراهيم أن ينطلق من مدينة "أور" في العراق إلى مصر ومن ثم إلى مكة. هكذا كان معالم العالم القديم وهكذا كانت مفاصله الحضارية.

لا نريد للجيل الشاب في بلادنا أن يعتقد أننا بلد نشأ في "عصر البترول" وأن وجودنا الثقافي كان نتيجة للثروة التي حبانا الله بها، بل يجب أن يرى هذا الجيل موقع بلاده في الحضارة الإنسانية، وهذا ما يفترض أن يقوله ملتقى الآثار الذي سيجتمع فيه علماء لهم اهتمام بالجزيرة العربية من كل مكان، لذلك هو فرصة حقيقية لاعادة كتابة "الذاكرة الوطنية" بشكل حقيقي تجعل أبناءنا يتحدثون عن بلادهم كمفصل مهم في ذاكرة الإنسان القديم كما هو مفصل مهم في الذاكرة الإنسانية المعاصرة. أستطيع أن أقول: إن الملتقى الأول للآثار هو "جسر بين ذاكرتين" للوطن، فرغم أنه ينقلنا لبدايات التاريخ الإنساني إلا أنه يذكرنا باستمرار أن موقع بلادنا الجغرافي جعله دائماً علامة فارقة في ترابط الحضارات الإنسانية.

الملتقى دون شك فرصة لأبناء الوطن كي يتعرفوا على تاريخ بلادهم بشكل مختلف، لكنه يمثل أهمية بالغة لرجال التعليم بشكل خاص، لأن مهمتهم الأساسية تكريس الذاكرة الوطنية في نفوس وعقول أبنائنا، وهذا لا يحدث دون إيمان بأن للوطن تاريخ تقاطع مع الحضارات المهمة وأنه المكان الذي انطلقت منه الإنسانية وهي في مهدها. نريد من رجال التعليم أن ينقلوا هذا الإيمان لأبنائنا وبناتنا ونريد أن نسمع منهم مفردات الفخر بتاريخ الوطن وذاكرته الحضارية بشكل عفوي في مناسباتهم.