لا تفتأ أسطورة هذا العملاق الصيني تتصاعد، لأن الفنان آي وي وي Ai Weiwei لايقتصر على دوره الفني الرائد عالمياً وإنما يقوم بالحفر في الوجع البشري، وجع كوكب الأرض وكوارثه لكي يقدم هذا الوجع ويفضح جذوره في أعمال فنية صادمة في عبقريتها، إذ تكاد تتمحور أعماله في السنوات الأخيرة حول هذه الإزاحة الهمجية للبشر الحاصلة على سطح الأرض سواء تلك الإزاحة الناجمة عن آثار التغيرات المناخية والكوارث الناجمة عنها أو الإزاحة التي تؤججها الحروب الطاحنة في بقاع مختلفة من العالم سواء في الشرق الأوسط أو أوروبا الشرقية أو أفريقيا وآسيا.

آي وي وي لديه أنف حساس للكوارث والوجع الإنساني، تواجد قبل الجميع في مخيمات اللاجئين بالعراق وسورية وأفغانستان وكينيا، وكان في مواقع ارتطام جثث المهاجرين بالشواطيء الأوروبية، قام بلقاءات مع الناجين وامتص مآسيهم وأحلامهم وضخها في أعمال عملاقة نذكر منها الطوافة العملاقة بلون الفحم والمدكوكة بالوجوه المحروقة بلون الفحم أيضاً، عمل أشبه بصرخة إدانة طالعة من جوف كوكبنا في مناشدة يائسة للقلوب الرحيمة.

وحالياً قام آي وي وي بتجميع قطع أحجية التهجير والعذاب وصاغها في فيلم فيديو بعنوان التدفق البشري Human Flow، وسيتم الاحتفاء بهذا العمل الجبار ويعرض لأول مرة احتفاء باليوم العالمي للعمل الإنساني World Humanitarian Day وذلك في متحف الجوجينهايم بنيويورك، وهو المتحف المهتم بالنتاج الفني المؤثر دولياً. وسيخرج الفيلم في دور السينما الأميركية في 13 أكتوبر القادم بينما يصل لأوروبا في العام 2018.

يقول آي وي وي "سيشكل تحدياً كبيراً حين ندرك أن العالم آخذ في التقلص، وأن أناساً من مختلف الأديان ومن مختلف الثقافات سيضطرون لتعلم أن يتعايشوا معاً في الرقعة الضيقة المتبقية."

وأن آي وي وي بحكم تواجده في بقاع الهجرات سواء مناطق انطلاقها أو المناطق التي تستهدفها للاستيطان فإنه يقوم بدور من يقرع جرس الإنذار في محاولة لإيقاظ الضمائر النائمة وأولئك الذين اعتادوا مناظر القتل والتهجير فلم تعد تهزهم، يقول،

" أكبر جريمة يقترفها إنسان اليوم هي اللامبالاة." اللامبالاة بالخمسة وستين مليوناً من المتعرضين للكوارث والحروب والتهجير، اللامبالاة بمن ينامون في العراء تحت الثلج والبرد والريح، اللامبالاة بالأبواب التي تنغلق في وجوههم.

والفيلم هو تحفة من الوجع، يمر بكل حركات التهجير الحالية حيث يغطي 23 بلداً حول العالم لفترة تزيد عن العام جامعاً الحكايا من أفواه الضحايا على اختلاف ألوانهم وألسنتهم ، ويتوقف بحرفية فنية عالية بمواقف قد تفوت الكثيرين، ويوظف جماليتها لهز الضمائر.

والمشهد الذي استوقفني ضمن مشاهد بلاحصر مشهد هو من السهل الممتنع والاختزال، المشهد يمر خاطفاً لمهاجر في حجرة معتمة أشبه بزنزانة يصوره الفنان من الخلف فلا نرى من ملامحه شيئاً حنية الظهر ومؤخرة الرأس المحوط بالبرنس يجلس لطاولة خشبية عارية، يدا الرجل حول رأسه مستصيباً ثم وبلا كلمات تشير اليدان بفراغ حيلة ثم تلتمان على الرأس، حركة خاطفة لكنها تختزل ضياع الحيلة واليأس التام، أنه الجدار المسدود، اللاحياة، لكأنه يغسل يده من البشرية جمعاء.

مفردات الفيلم محدودة وموجعة تتلخص في أمواج المحيط العاتية والغرق والحدود المسورة بالأسلاك الشائكة ومحاولات التكيف، تنغرس تلك المفردات في الوعي الإنساني بلامحاولة للاستتار أو للتلطف لأننا صرنا نتقبلها كما نتقبل تغيرات الطقس بلامحاولة للاعتراض أو لوقفها.

فيلم بستحق المشاهدة لأنه كفيل بوضع كل فرد منا في مواجهة مع ذاته ومساءلتها: ما الذي نقدمه لأولئك الضحايا؟ وقبل كل شيء ما الذي نراه في أولئك الذين في بحث عن مجرد مأوى أو أمان أو عدالة أو حياة جديدة ؟ وما الذي نقدمه لأولئك الذين هم في محاولة لاستنقاذ مابقي من أشلائهم الجسدية أو العائلية؟ هل هم مرآة نتجاهل النظر فيها لكيلا نرى العنف الكمين فينا؟