"كيف يمكن لمجرد حلم أن يكون بكل هذه الواقعية والاكتمال والبناء، ويكون له هذا المفعول التطهيري للنفس الذي يتطلب سنوات عديدة من العلاج النفسي؟"

(غيوم ميسو)


بعد أن قرأت أول مرة للروائي الفرنسي غيوم ميسو روايته الأولى المترجمة إلى العربية (وبعد) تمثل في ذهني الانطباع الراسخ بأن فن الرواية له طرقه المختلفة عند من يمارسونه مع اتحاده في المسمى، وأن الروائي الحقيقي هو من يختط طريقاً لم تسلك قبلاً من ناحية التكنيك، فالمواضيع قد تتشابه ولكن العمل عليها هو المحك الرئيس لقدرة الكاتب، وهذا الأمر يبرز بوضوح في الأعمال اللافتة وغيرها، ولكن مسألة الجذب والشَّد والقبول تتباين، فرواية عديدة الصفحات قد تُقرأ في جلسة، عكس رواية أقل صفحات تستهلك قراءتها وقتاً أطول، وفي هذه المفارقة تكمن الجودة المتوفرة في العمل وفي ذهنية صاحبه الذي أوتي القدرة على أن يخلق أجواء فنية كأنه يملكها، أو بالأصح هو مالكها الوحيد.

تابعت قراءة كل ما تقع عليه عيناي من روايات هذا الروائي (غيوم ميسو) التي ترجمت تتبع (وبعد) ومنها (لأنني أحبك - أنقذني - فتاة من ورق - غداً - نداء الملاك - بعد سبع سنوات - سنترال بارك - عائد لأبحث عنك)، والأخيرة هي التي قرأت مؤخراً، وأثبتت أن عتبات الصعود عند هذا الروائي تتابع في التغيرات والمواضيع والتكنيك المختلف عما سواه إذ يحسسك وأنت تقرأ -من رواية لأخرى- أنه يتجدد، ويعطيك إشارة واضحة بسعة وعرض خلفيته الثقافية إضافة إلى قدرته الإبداعية في اقتناص المواضيع من الواقع ومزجها بالمتخيل الذي سحب ركائزه من الحياة العامة المشتركة، ليس من بيئة واحدة وإنما من عدة بيئات تختلف وتأتلف، فكون الإنسان في كل مكان متجانس في تركيبه العقلي والجسماني ومتطلباته المعيشية المبرهنة على كينونته الوجودية، فهو يختلف في مزاجه ونفسيته، وله ما يقبله/ لا يقبله، ولكن المحصلة التى لا محيد عنها هي ممارسة العيش المفروض من البداية للنهاية الحتمية العامة الفناء.

يستهل ميسو كل فصل من روايته بمقولة مختارة، أو حكمة، أو مقطع من رواية لأحد المشاهير، أو جملة من فيلم مؤثر، وقُشُورُ ولُبَابُ هذه الرواية فلسفة في النظر للحياة، فحث للإسراع إلى الحب فالحياة قصيرة، واستدراك الأمر قبل فوات الأوان، يختصر الناشر: "إيثان، وسيلين، وجيسي، رجل، وامرأة وطفلة ثلاث شخصيات على شفير الهاوية ستتقاطع وتتصادم وستحب، فهل اجتازوا نقطة اللا رجوع؟، لديهم وقت قصير لتغير كل شيء، ولكن هل يمكن أن ينتصر الحب على الموت".

سيلين تحب إيثان، وجيسي ابنته التي لم يعلم أنه عندما توجه للبحث عن الشهرة وقد وفق، فانفصل عن زوجته التي تزوجت رفيقة بأنها كانت تحملها في أحشائها وتولى تربيتها صديقه، ويذهب للبحث عنه ليخبره ولكن بلا جدوى، سيلين العاشقة تتخلى عن خطيبها لتذهب للحبيب، وفي لحظة انتقام من قبل الخطيب، تخترق الرصاصة رأسها عندما ارتمت لتحمي من تحب، فتموت دماغياً وسبق أن اخترقت رصاصتان جسد الحبيب فجَّرت قلبه واحدة، وتجرى عملية نقل قلب العاشقة إلى صدر الحبيب، وتموت هي ويعيش هو بقلبها، وجيسي الابنة تنجو من حادث دهس بجهد والدها الذي ينقذها صدفة تبعاً لدافع داخلي، وعوالم تتشابك وتتباعد لكنها في النهاية تجتمع على النهاية المؤلمة.