الإسراف أمر مذموم.. وهو من بعض طبائع العرب الذميمة.. فنحن أحياناً نسرف في المال ونسرف في الحديث، ونسرف في الأكل، وربما نسرف أيضاً في المحبة، ونسرف في الكراهية، ونسرف في النفاق والتبجيل، بمعنى أن الإسراف وعدم الاعتدال هو من عادات بعضنا الذميمة، بينما ديننا يدعونا دائماً إلى الاعتدال في كل شيء.. الاعتدال في التدين: (وجعلناكم أمة وسطا..) والاعتدال في الإنفاق: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط).. الاعتدال في الأكل: (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا)..

غير أن كثيرين يخلطون بين الإسراف والكرم. فالكرم حالة أو أريحية تهبُ وتنتاب صاحبها عند الحاجة واللزوم، وليس التبذير والإنفاق الفوضوي والعبث بالمال دليلاً على الكرم.. فهناك من يبذرون الأموال الطائلة ويبددون الآلاف في غير وجهها في هوج وخرق وتفاهة. ولو طلبت من أحدهم أن يمد يده إلى محتاج أو معسر تأبى واشمأزت نفسه، وأعرض ونأى بجانبه، عن مساعدة هذا المحتاج أو البائس الفقير..!!

حكى لي شخص أثق فيه قال: إن أحدهم نثر تحت أقدام راقصة في بلد عربي أكثر من خمسة آلاف دولار..!! ثم أنه بعد تلك السهرة وفي الليلة نفسها دخل في مشادة عنيفة مع صاحب "تاكسي" أوصلته إلى الشرطة بسبب نصف دولار..!!

لا أحد يستطيع أن يقنعك بسلامة هذا السلوك فيقول بأن هذا ماله وهو حر فيه.. فالحرية حتى في المال وما يمتلكه الشخص لها حدود، كما أنها في مثل هذه المواقف نسبية.. لا أحد يستطيع أن يحجر على الناس، ولكنه يُشين عليهم سلوكهم غير الحضاري.. ومن يسلك مثل هذا السلوك فهو إنسان مختل وغير سوي مهما كانت الذرائع والأسباب، فليس من الكرم أن ينثر شخص خمسة آلاف دولار تحت رجلي راقصة.. وليس من الكياسة والحكمة والاقتصاد أن يذهب إلى مركز الشرطة مع سائق "التاكسي" من أجل نصف دولار.. لولا التطرف والإسراف في الموقفين.. الإسراف في التبذير من ناحية والإسراف في التقتير والشح من الناحية الأخرى.

إذ إن الاعتدال في الأشياء هو قوامها، والخروج عن حدود الاعتدال يميناً، أو شمالاً هو تطرف.. حتى في عناصر الطبيعة ومعطياتها وما فيه منفعة الناس وحياتهم. فالمطر مثلاً إذا قل عن حده أدى ذلك إلى الجفاف.. وإذا زاد عن حده أصبح فيضاناً مدمراً.

وأعود إلى ما بدأت به عن الإسراف، حيث إنه ظاهرة من ظواهر التخلف الحضاري، أياً كان شكل هذا الإسراف.. وقلت هناك فرق بين الكرم، والأريحية، والتي هي صفة من صفات النبل والشهامة الإنسانية. فالكرم حالة تنتاب الإنسان لحظة تحريض مشاعر إنسانية.. فالكريم ليس مسرفاً وإنما هو باذل، ومؤثر، على نفسه، حينما تصبح الأثرة أمراً نادراً.. إنها تماماً كالشجاعة، والفروسية والنخوة لا تظهر إلا عند الحاجة إليها. ولهذا فإنك قد تجد الكريم زاهداً مقتصداً وغير مبذر إلى درجة تجعلك تنخدع فتظن به البخل أو الشح.

سأذكر لكم حكاية من هذا النوع رواها الأصمعي قال: وقعت فتنة في الكوفة بين حيين من أحياء العرب، فكثر القتل وكثرت الديات قال: فكنت ممن ندب إلى جمع الديات في الأزد، قال: فذهبت إلى أبي عمرو الأزدي - هكذا اسمه إن لم تخني الذاكرة - في داره فوجدته جالساً وعليه شملة، وفي يده إناء فيه شيء من نوى التمر وقد أخذ يطعم عنزاً واقفة بين يديه من ذلك النوى. وحين رأيت هيئته استقذرته وندمت على مجيئي!! فلما فرغ من إطعام العنز أطلقها وكفأ الإناء وقال: يا جارية.. هاتي غداءنا. فحملت إليه إناء فيه شيء من تمر وزيت فوضعته بين يديه. فدعاني إلى غدائه هذا فعافته نفسي وازدريته. فلما أكل التمر بالزيت طلب ماء.. فشرب ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم لك الشكر على نعمائك.. تمر البصرة، بزيت الشام، بماء العراق.. اللهم لا تغيرها من نعمة.

قال فكدت أخرج من غير أن أذكر له حاجتي حول الديات ليقيني أنه لن يدفع شيئاً بسبب ما رأيت من ملبسه وهيئته وأكله، وبخله حتى أنه ليطعم العنز بنفسه. لكنه سألني عن حاجتي..!! فتحدثت إليه عن الديات. ثم إنه استدار ولبس برده ونهض وسرت وراءه إلى المسجد.. فلما دخل المسجد لم تبق حبوة إلا حلت، ولا قاعد إلا وقف، ولا مضطجع إلا قعد.. إجلالاً واحتراماً وإكراماً وتقديراً له.. وبعد أن صلى ركعتين التفت إليّ وقال: كم الديات..؟ فقلت: ألفا جمل. فأمر بدفعها كلها من ماله وخرج.

قال الأصمعي فما رأيت في حياتي أعجب ولا أغرب مما رأيت منه..!!