ضمن نطاق هيمنة التكنولوجيا والمعلومات تجيء الخطوة التي أقدمت على تنفيذها شركة سويدية ناشئة على زراعة شرائح أو رقائق معلوماتية بحجم حبة الأرز يتم حقنها بنقرة بسيطة في يد الموظف بين السبابة والإبهام، وتعتمد هذه الرقائق

على تكنولوجيا الاتصالات الميدانية حيث تقوم بإرسال موجات كهرومغناطيسية تحمل شفرة بيانات أشبه برمز تعريفي يقوم بتوثيق بطاقات الائتمان وبتشغيل الأجهزة المختلفة كالبوابات وأجهزة رصد الحضور والطابعات وآلات بيع المشروبات و الأغذية.

هذه التقنية تُعَد صرعة في سبيلها للتطور بما يتجاوز المخيلة البشرية، وتبشر بعصر يعمره بشر نصف آليين، أي نشوء الإنسان المُطْعَّم بالآلة مما يمنحه قدرات خارقة.

ولعلنا لسنا ببعيد عن العصر الذي يتم فيه التدفق المعلوماتي والخطاب بلا وسيط أي مباشرة بين العقل البشري والآلة، أي أن بوسعنا بمجرد إرادة فتح الباب أن ينفتح.! وتتصاعد في هذه المرحلة من التطور أصوات محذرة من التوسع في إحلال التكنولوجيا في البيئة بل وفي الجسد البشري، إذ تتضخم هنا مسألة المعضلات الأخلاقية، سواء من ناحية إمكان استغلال تلك التقنية في انتهاك الحريات والخصوصية الفردية حين تُوَظَف الشرائح المعلوماتية المزروعة في الجسد في التجسس، أو من ناحية التجاوزات الفردية حين تُستغل تلك التقنية في الجريمة والاعتداء، إمكانيات خارقة يكتسبها البشر بحيث لا تُجدي معها الروادع التقليدية، ولا يتبقى إلا الرادع الذاتي، والذي من الصعب توفره عند الجميع.

وبالنهاية فإنه لا حدّ للآفاق التي تتكشف للبشر وفي البشر.

إنه التحدي المتصاعد للمادة وتسخيرها، حتى لربما بلغت البشرية مرحلة تبدو مستحيلة الآن من استنفاذ قدرات المادة، مرحلة من توظيف الوعي للتحكم بالقدرات الذهنية بحيث يتم تجاوز المادة، و يُستَغنى عن الآلة بل والوجود المادي كلياً، أي كمثال عوضاً عن الباب فسيصل الإنسان لدرجة من التحكم في قواه الخفية أن يصير بوسعه بمجرد الإرادة إنشاء مبدأ الغلق أو الانفتاح.

فليس بعد مرحلة علو المادة إلا مرحلة التجريد وإعلاء الرياضيات، إذ لم تكف فئات من المنشغلين بالروح عن طرح مبدأ الخلوص من المادة للنور، وباعتقادهم أن البشرية قادرة على الوصول في تحقيقها للاستغناء عن المادة لبلوغ مبدأ الإنعاش الذاتي النوراني عوضاً عن الغذاء أو الشراب، بل وتذهب بعض النظريات للاعتقاد بأن هنالك ما لا يقل عن ثلاثة آلاف من البشر توصلوا فعلاً للبقاء بل وللتعمير بلا حاجة للغذاء ولا للكساء، مما سيحل لو ثبتت صحته مشكلة شح الغذاء في العالم.

بل والأكثر إعجازاً وبـعداً عن قدرة البشر على التخيل ما ينادي به المشتغلون في إيقاظ القوى الروحية لأن يصل الإنسان في رحلة تطوره الروحي لدرجة من شفافية الوجود الذي سيتحول لنور كامل، وهي ربما الحالة التي تصفها النصوص الروحية عن الوجود الفردوسي، حيث يغتذي المتنعمون على النور وحيث لا فضلات ولاعوادم وليس ثمة غير النور. إنها رحلة مذهلة ومغرية بدءً من الطين وختاماً وتماماً في النور وبالنور.