اقتفاء تراثنا الشعبي في كتب الرحالة الغربيين

من الحكايات الطريفة للمستشرق الإنجليزي داوتي أثناء رحلته للجزيرة العربية بين عام 1876-1878م وحلوله ضيفاً عند مرافقه محمد النجومي الذي كان كريماً حد التبذير وفق رؤيته واستند في حكمه على ما حكى له أهل قريته من أن محمد عندما مرض أخيه أحمد مرض الموت أثناء الوباء الذي اجتاح قرى خيبر أحضر ثوراً ربطه بباب المنزل وأقسم "نذر لله" على ذبح الثور فيما لو شفي شقيقه وشفي أحمد بالفعل فقام على الفور بذبح الثور وتوزيع لحمه على أهل قريته وعدوا ذلك حملاً ثقيلاً على رجل فقير مثل محمد النجومي وتكررت الحادثة أيضاً عندما مرض ابنه "حصين" أثناء بقائهم بالقرية إذ أحضر محمد النجومي عنزة عندما عادت المواشي مساء من المرعى فأشعل بالبداية ناراً أخذ منها الجمر قبل ذبحها ووضعه في مبخرة ووضع فوقه بعض أعواد البخور وراح يبخر العنز الضحية باهتمام، وتمتم ببعض الدعوات أثناء ما كان يوجه ذبيحته نحو القبلة ويسمي ثم يقطع رأسها بسيفه.! وعندما سمع من الرحالة أنه ليس من عادة الأوربيين ذبح أضحيات لمثل هذه الأسباب. راح يتأمل مع نفسه وهو يعتقد أنهم شعب لا قلب له.

خرج الرحالة في أحد الأيام مع النجومي الذي كان رامياً ماهراً في رحلة صيد وتحدث له عن بعض الحيوانات والطرائد المتوفرة في المنطقة تحدث له عن "القرطة" قط الصحراء والتي يصل حجمها حجم الغزال وتختفي وسط الأشجار والأعشاب في الصحراء تترصد للغزلان حتى تقفز عليها متى ما اقتربت منها. تكلم له عن حيوان صحرواي هو الضربون أو الضربان الذي يعتبره الرحالة حيواناً خرافياً من أساطير العرب وصفه محمد بأنه حيوان أسود اللون وحجمه أكبر من الثعلب ويقصد هذا الحيوان المقابر حتى ينبش القبور كي يتغذى على جثث الموتى. هذا الحيوان على الرغم من ضعف بصره الذي لا يتعدى مجال رؤية أقل من ثلاثة أمتار وصغر حجمه إلا أنه من أذكى وأقوى الحيوانات وأجسرها حتى كان يهاجم الأسود والضباع والأفاعي ويمتلك قوة دفاع أخرى تتمثل برائحة طاردة قوية جداً تفرزها غدة عند مؤخرة الحيوان وعرف عنه أيضاً عند مواجهة الحيوانات الأقوى وأكبرها حجماً تعمده محاولة اخصائها والسيطرة عليها عن طريق مهاجمة أعضائها التناسلية وللضربان اسم آخر "غرير العسل" لمهاجمته خلايا النحل والتهامها بعد ما ترشده بعض الطيور لمكانها ومنها طائر يسمى "مرشد العسل" هذا الطائر الذي لا يقوى على مواجهة النحل يترك له الغرير كمية من العسل كمكافأة.

ذات يوم وجد ابن محمد النجومي عندما ذهب صباحاً لري الأرض ثعلباً غارقاً في بئر الماء فسارع إلى إخراجه وطرحه على الأرض وعندما وصلا إلى المكان توقع النجومي أن لا يعثروا على الثعلب المعروف بالمكر والذي عندما يقع في مأزق يتظاهر بالموت ويحبك الدور جيداً لدرجة نفخ جسمه وإظهار سوائل الموت من أنفه حتى يرمى بعيداً ثم ينهض ويطلق رجليه للريح لكن النجومي أخطأ هذه المرة إذ وجدوا الثعلب ميتاً بالفعل وبهذه المناسبة

حكى داوتي لرفيقه النجومي كيف أن الشيوخ في إنجلترا يسارعون بخيولهم وهم يرتدون عباءاتهم المميزة بلونها الأحمر للخروج بحثاً عن الثعالب ومطاردتها بخيولهم أملاً في الحصول على فرو ذلك الثعلب ويصل ثمن أفضل فرو من تلك الفراء إلى إيجار قرية بأكملها في بلدكم "هكذا قال له" - أخبره أيضاً أن مئة من الكلاب اللئيمة تسبق هؤلاء الصيادين في عملية الصيد ويروح أولئك الصيادين يقفزون فوق الجدران وفوق الحفر معرضين بذلك أعناقهم للخطر أثناء هذه المغامرة ومن يحضر نفوق ثعلب "أبا الحصين" يكون هو الرجل الكاسب الشجاع.

ويضيف داوتي: وظل هذا الرجل من رجال الجزيرة العربية يقصد محمد النجومي يتفحص وجهي بعينيه كما لو كان يقول: أتستهزئ بي. ولكنه سرعان ما عاد إلى روحه المرحة متسائلاً بضحك: أهذه مطاردة الثعلب عندكم. ولم يرَ الرجل في ذلك أية رقة أو طرافة ويبدو أن ذلك الرجل الطيب من رجال المدينة المنورة دخل نوبة من التأمل الروحي. لماذا أعطى الله اليهود والنصارى ذلك الثراء السطحي فيما يتعلق بتلك الاستعمالات غير المجدية. صمت قليلاً ثم أكمل حديثه لي: الذئب أيضاً من الحيوانات التي يقتلها الناس. حكى لي أنه ذات مرة وبينما كان يرعى ماعز والدته في الفراع أيام شبابه وبينما كانت عذراء من قبيلة حرب ترعى غنمها بالجانب منه على التل، شاهد ذئبين يقتربان من السهل ويتقدمان نحوه، وهنا اختبأ محمد النجومي ليرى ذلك الذي سيفعله هذان الذئبان. ترك الذئب العجوز زميله عند سفح الصخور، وراح الذئب الآخر ينتظر مجيئه، تسلق ذلك الذئب مثل صياد ماهر وهو يتوقف بين الحين والآخر، وينظر من حوله وفي كل الاتجاهات، كان قطيع الماعز يرعى دون اكتراث بين الصخور العالية ووجد النجومي أن الذئب يستفيد من سطح الأرض ومن الريح أيضاً وعلى نحو لا يمكن أن يفعله الإنسان اختار الذئب عنزة سمينة من ماعز العذراء الحربية ثم استدار خلف صخرة قفز من خلالها على ضحيته وسحبها من حلقها- وفي لحظة كانت طلقة بندقية محمد النجومي قد وصلت إلى قلب الذئب بينما سارع محمد إلى ذبح العنزة المصابة حتى يصلح أكل لحمها.

«غرير العسل» أحد أسماء الضربان