لا شك أن أهم خطاب يلقى في الأسبوع في العالم الإسلامي كله، "هو خطبة الجمعة"، وتظهر هذه الأهمية في عمومها، فما من مكان يجتمع فيه عدد من المسلمين إلا ويكون فيه خطبة جمعة، حتى في البلدان غير المسلمة، كما تظهر في احتفاء المسلمين وحرصهم لحضور الجمعة وسماع الخطبة، وتقدمهم لذلك وتطيبهم وتسوكهم ولبسهم أجمل ثيابهم.

وهذه الأجواء تصنع تهيئة نفسية عظيمة لتلقي خطبة الخطيب والإنصات لها والتفاعل معها.

والذي نريد أن نلفت الانتباه إليه، هو أن خطبة الجمعة عبادة شرعية من العبادات التي شرعها الله تعالى، وبينها النبي صلى الله عليه وسلم بالتطبيق العملي، ومن ثم فإن من أهم المهام بالنسبة للخطيب أن يتعلَّم ويعرف هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه، هذا من جهته هو، ومن جهة المؤسسات المشرفة على الجوامع والخطباء، فإن من واجبها أيضاً أن تتأكد من حرص الخطباء على الالتزام بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبهم، فإن المسألة عبادة، وليست خطبة ارتجالية يقول فيها الخطيب ما يشاء.

ولا أظنُّ أن أحداً يجادل في أننا شهدنا خطباً وخطباء ابتعدوا عن هدي النبوة في الخطبة سواء كان ذلك في مدِّها بحيث تكون أشبه بمحاضرة لا خطبة، أو في مضمونها بحيث تكون خطاباً سياسياً لا خطبة شرعية.

ولذلك فمن مهام العلماء وطلبة العلم أن يوضحوا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه، فإن هذا الأمر يبدو -في نظري- غائب تصوره عن كثير من الناس. وألخص ذلك في فقرات محددة:

أولاً: أن يستفتح الخطيب بحمد الله عز وجل والثناء عليه بما هو أهله، كما في صحيح مسلم من حديث جابر رضي الله عنه: كانت خطبته صلى الله عليه وسلم يحمد الله، ويثني عليه بما هو أهله. قال الإمام أحمد: لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله، والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن تقريرات الفقهاء: كل عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى؛ افتقرت إلى ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم كالأذان، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دعاء له، ومشروعيتها في الخطبة وغيرها أمر معروف عند الصحابة رضي الله عنهم.

ثالثاً: أن يتشهد الشهادتين: شهادة التوحيد، وشهادة الرسالة، قال العلماء كابن تيمية وابن القيم: وكيف لا يجب التشهد الذي هو عقد الإسلام في الخطبة، وهو أفضل كلماتها.

رابعاً: أن يراعي مقصود خطبة الجمعة، وهذه النقطة بالذات؛ هي التي يقع فيها الابتعاد عن المقصد الشرعي من الخطبة عند كثير من الخطباء في عالمنا الإسلامي، بل وشهدنا في عقود خلت خطباً لا يمكن أن يقال عنها: " إنها خطبة جمعة " إذا طبقنا عليها هذه النقطة الرابعة.

ولنر ماذا يقرر العلماء الراسخون تجاه هذه النقطة:

أ) يقول ابن القيم: خصائص الجمعة: الخطبة التي يقصد بها الثناء على الله وتمجيده، والشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، وتذكير العباد بأيامه، وتحذيرهم من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جناته، ونهيهم عما يقربهم من سخطه وناره، فهذا هو مقصود الخطبة، والإجتماع لها.

وفي موضع آخر يقول: وكان يعلم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام، وشرائعه.

ب) ويقول سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم: ينبغي أن تكون خطبة الجمعة مشتملة على ذكر دعائم الدين وقواعده العظام.

ج) وفي فتاوى اللجنة الدائمة: وكان مدار خطبه حمد الله والثناء عليه بآلائه ونعمه وأوصاف كماله، ومحامده وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله تعالى، وتبيين موارد غضبه، ومواقع رضاه، مع حرصه صلى الله عليه وسلم في الغالب على الإيجاز.

وأختم هذا المقال ببعض المقترحات:

أ- بما أن خطب الجمعة مكون أساس من خطابنا الديني في عموم العالم الإسلامي؛ فلا بُدَّ من إجراء دراسات ميدانية، تكشف واقع هذا الخطاب واتجاهاته، ومن ثم تقويمه وتسديده.

ب- أنصح بعقد ندوات ومؤتمرات بين المعنيين بالإشراف على خطب الجمعة في الدول الإسلامية، وحتى الجاليات الإسلامية، لتبادل الآراء والمقترحات للمساهمة في ضبط خطب الجمعة بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه.

ج- أوصي المجامع الفقهية بإصدار قرارات واضحة، تبين هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبه، ومن ثم فعلى المؤسسات المعنية، بالجوامع في عالمنا الإسلامي اعتمادها، ومحاسبة من يتجاوزها، وإبعاده إذا لم يلتزم بذلك.

  • الأمين العام لهيئة كبار العلماء