تشعر بالملل.. لست وحيداً في هذا الشعور، غيرك أيضاً يتلبسه هذا الإحساس.. بين آن وآخر.. ولكن تختلف اللحظات والأسباب من شخص إلى آخر.. تشعر بالملل من كل شيء.. البشر والعمل والمكان وحتى الزمن الذي يحتويك داخله.. أحياناً يأتيك فجأة.. وأحياناً تتدرج في الإحساس به.. قد يطول معك وقد ينتهي بسرعة إن استطعت التغلب عليه وكسر حصاره.

البقاء في المكان الواحد لفترات طويلة.. دون ملامسة التغيير يجلب الملل.. الثبات في الحالة التي أنت بها يجعل الملل يعصف بك ويقتلك.. إجبار نفسك على القيام بأشياء مكررة يدفعك للملل.. تكرار نفس الوجوه كل يوم يرميك للملل.. ممارسة الشيء بنفس الطريقة تجلب الملل.. فتجد نفسك في حالة منغلقة لا تقوى على التفكير أو التعامل بحيوية أو إحساس.

عندما تجلس طويلاً في نفس المكان تحتاج أن تتحرك كل ساعة تغادر مكانك تمشي لدقيقة على الأقل.. لتتخلص من بداية إحساس بالملل.. الذي قد لاتتحدث عنه ولكن يخالجك الشعور به.. وأحياناً تجد نفسك تقول لا إرادياً أنا مللت.. من ماذا؟ من أشياء كثيرة.. من تراكمات الحياة.. من العمل الطويل دون أخذ إجازة.. من البيت وعدم الخروج.. من تكرار ما تقوم به.. ولا يرتبط الملل بشخص دون الآخر.. فتلك السيدة البسيطة ربة البيت تقول لي: قعدت في البيت شهراً كاملاً حتى شعرت بالانفجار.. مللت من البيت أريد أن أخرج وأرى الناس.. أتمشى أغير جو.. هذا الجو لا يتعدى السوق أو زيارة أقارب أو أصدقاء..

لكن ما هو التعريف الفعلي للملل؟

يقدم عالم النفس الألماني ثيودور ليبس واحداً من أقدم التعريفات للملل عام 1903مضمونه أن" الملل هو حالة غير مسبوقة يمر بها الشخص يتصارع بداخله الرغبة في تجريب شيء جديد مع نقص الحافز بداخله لهذا التجريب" أما العالم النفسي الكندي فقد عرّف الملل بأنه "احتياج ينتاب المرء مع عدم قدرته على إشباعه قد يكون لعدم معرفته بتلك الحاجة تحديداً.." ورغم هذه التعريفات المعقدة إلا أن الإحساس بالملل يخضع تعريفه ومسبباته للشخص نفسه والذي ينبغي أن لا يسهب في الخضوع له لأنه قد يقود إلى التوتر والاكتئاب والعدوانية واضطرابات الأكل وضعف الإنتاجية في العمل.. وبالتالي فإن المزيد من التركيز يدفع لعلاج الملل.. وملء أوقات الفراغ تعالج الملل.. والتغيير المستمر وكسر الروتين يدفع لعلاج الملل.

في دراسة حديثة عن الملل تم الكشف عن أن الأشخاص الأذكياء يعيشون حياة أكثر استقراراً لأنهم نادراً ما يصابون بالملل حيث يقضون سحابة وقتهم وهم مستغرقون في أفكارهم الخاصة.. أما من يملؤون يومهم بالنشاط البدني فغالباً ما يكونون من غير المفكرين ويفعلون ذلك من أجل الهروب من أفكارهم الخاصة.. وأوضحت الدراسة أن العلاقة بين الإدراك والنشاط البدني هي السؤال المهم لتجربة الإنسان وأن التفاعل يمتد على الأرجح طوال فترة الحياة.. وأن مستويات النشاط البدني ترتبط بالسلوك الجسدي.. وإن غير المفكرين يصابون بالملل أسهل بكثير ويعانون من آثاره السلبية.. وأن الأفراد المفكرين يستمتعون بالترفيه عن أنفسهم عقلياً بينما يشعر غير المفكرين بسرعة الملل.

هذه الدراسة تقول إن الأذكياء لا يشعرون بالملل.. هل ذلك هو الحقيقة؟ رغم أنها أجريت على شرائح مختلفة.. ربما.. ولكن في نظري أن الملل حالة عامة لا ترتبط بأذكياء أو أشخاص عاديين على الإطلاق.. ولكن تختلف فقط طريقة التعبير عنه أو التفاعل معه.. أو تجاوزه ومغادرته!!