كلما دخلت عالم النت أندفع بالقراءة وكأنني في سباق ليس له خط نهاية، أتوقف أمام سلسلة من المعلومات والأرقام السابحة في التنوع، أتأملها وأتعجب بنفس الوقت كما لو أنها خوارزميات رياضية تعكس روح هذا العالم، هي نوافذ صغيرة فتحت لنا وأصبحت جزءاً أساسياً من حياتنا، ولكن هذا السيل من المعلومات التي بعضها بمصدر وكثيراً منها ليس لها مصدر، هل فكرنا ماذا أعددنا لهذا التدفق المعلوماتي الذي يخترق العقول ويشعل حرائق الحيرة. في عالم النت هناك الجريمة، العنف، الانحراف، الإرهاب، والتربح التجاري، والتضليل السياسي، كيف يمكن أن نبقى صامدين أمام كل هذه الاختراقات، والسؤال الأهم ماذا قدمنا لحماية عقول شبابنا، وكيف هي مساهمتنا في المحتوى الرقمي العربي؟ الأكيد أن بشريتنا الجديدة في المجتمع الشبكي أصبحت مشتركة جداً ومليئة بالبدع، والأيديولوجيات الفكرية، والتنوع الثقافي، مما جعل الأمور تصبح أكثر تعقيداً فهذه التكنولوجيا الإنترنتية أصبحت مولدة للكثير من المشاكل والحلول في آن واحد، الواقع أننا قيدنا أنفسنا بوضع خرائط تفصيلية نتبعها في طريقة تواصلنا مع الآخر، أيضاً نحن عاجزون عن التواصل مع هويتنا والأكيد أننا نذوب في الآخر بسرعة لماذا؟ إن عدو الإنسان الأوحد هو التخلف المُغَلف بمستويات منخفضة أو قليلة من الخبرة الإنسانية، والإهمال وعدم التفكير بأنفسنا ومجتمعنا وهويتنا العربية والمسلمة، تجعل كل محاولة تغيير نرغب بها تفشل، حيث يكثر المتربصون الذين قد يشوهون حياتنا وتاريخنا بسببنا نحن، فنحن لم نتسلح ونسلح عقول الشباب بالقيم والمبادئ الراسخة ولم نعزز فيهم روح المواطنة، فالعطاء والتواصل الإنساني يتطلب المرونة التي تحتوي قدراتنا وقوتنا كبشر وليس مواضع العجز فينا، لا يوجد فرد يرغب أن يكون عديم الطعم، ولا توجد أفكار ساذجة، وليس علينا أن نرضي الآخر لمجرد أننا مختلفون عنه، فنحن نسير على مسارات الذائقة الإنسانية وجمالياتها والتي تنطلق من بنى ثقافية أساسها العلاقة المباشرة بالمضامين الاجتماعية الثابتة والمتحولة، والإنترنت حولتنا إلى مجتمع متلقٍ فقط لم نستطيع حتى الآن الإسهام فيه وإغلاق بعض نوافذه المشرعة على فناء الغموض والشك.

وإذا صح هذا. ألا يحق لنا أن نتساءل عما إذا كانت الإنسانية في عصر الإنترنت قد تقدمت خطوة واحدة عن همجيتها؟.