لمَ لمْ تنجح تعاليم العقل في تخليص الإنسان من نزوعاته التدميرية؟، ولمَ لمْ تستطيع اللغة والحوار امتصاص عدوانية الإنسان؟!

هذا التساؤل المرير والموجع شغل باحثين وفلاسفة وعلماء نفس في كتاب قيّم بعنوان "العنف"، لكنهم لم يحاروا جواباً عليه وبقي السؤال مُعلّقاً في فراغ مهول ينتظر من يشتبك معه ويبدّد حيرته.

التطرّف الذي جاء متضمناً ومتجوهراً في ثنايا حديث سمو ولي العهد التاريخي عن حقبة ما بعد 79م المظلمة وظلالها القاتمة التي جثمت على مجتمعنا عقوداً من الزمن وتعهّد سموه باجتثاثها وأكّد سموه بلغة تطمينية واثقة على أننا لن نهدر ثلاثين عاماً أخرى في مثلها.

لا شك هو حديث مهم وتاريخي يحتاج قراءة وتعاطياً ثقافياً يواكبه في العمق والمُنطلّق والبصيرة، قراءة تفكّك خطاب تلك الفترة البائسة التي اصطبغت بطابع "الميل الاختزالي"، تلك العملية النفسية العلائقية -التي أشار لها عالم النفس الدكتور مصطفى حجازي وأنقله هنا بتصرّف- حيث يختزل فيها الشخص الطّرَفَ الآخر إلى حد إبعاده والاعتداء على حرّيته عبر تحيّزات وأحكام وأفكار مسبقة ومنمّطة تنتهي بمواقف إدانة وتعصّب تبخسه حقّه وحقيقته، وتنطلق الميول الاختزالية من اتجاهات أنانية، آنويّة، أن لا يكون الآخر سوى ما نريده له. وهذه الميول تتضمّن لا محالة بذور الصراع العلائقي، ومن هنا يتضح لم عشنا حقبة بائسة تجرع مجتمعنا فيها مرارة وآثار "الأفكار المنمّطة" التي أخذت شكل الأحكام المسبقة الجامدة والقطعية ذات الطابع الإداني والتحقيري وانفصم المجتمع عبر بروز تحيّزات ومواقف عدائية تم تبرير أفكارها ليصبح العدوان والاستغلال مشروعين لتلك الجماعات المتطرّفة، وبالتالي جرى خلق حواجز إنسانية بين مختلف الفئات والجماعات وانسدّت السّبيل أمام التفاهم المفترض بين أطياف المجتمع.<<

الحديث عن التطرف وتعقيداته المتشعّبة يطول لكن مما يدعو للتفاؤل أن معرفة مكمن العلّة هو بداية التصحيح والعلاج، وهو ما يجعل اقتراح بعض الفلاسفة بأنه لا يمكن تقليص مساحة حضور العنف والتطرّف إلا بتجذير الوعي الكوكبي.

يقول ستانلي هوفمان: "نأمل أن يتفهّم مسؤولونا أنه بعد أن نجحوا في تحالف الحلفاء ضد الإرهاب، فإن مصلحتنا تقوم في أن يكون لنا شركاء في بحثنا عن الحرّية، عن السعادة، في عالم يتنامى فيه التوحّش، علينا أن نفهم الآن أننا لا يمكن نستفيد بكل طمأنينة، من هذه القيم الموجودة عندنا، إذا كان الآخرون في الخارج، لا أمل لهم في أن يتقاسموا معنا هذه القيم".

أختم بدعوة صادقة أن تتبنى المراكز البحثية والجامعات والمتخصصين في استثمار علم النفس لدراسة جذور هذا التطرف بهدف تطويق هذه السلوكيات عبر أبحاث ميدانية ونظرية تقف على بنية هذا الفكر المتطرف لمحاولة فهمه ليكون نواة لعلاجه وليكون خارطة طريق معرفي ومنهجي دقيق يضع الحلول ليساهم الجميع في بناء وتنمية وتطوير حقيقية للأجيال يمتد أثرها على غرار هذا المشروع الذي جاوز المستحيل.