كان بين النوم واليقظة يلتمس شيئاً يشده إلى الوعي تماماً مثل ذلك الأعمى الذي يلتمس حبلاً يخرجه من المتاهة. ومضى على حاله يفكر أفكاراً متقطعة ويتخيل خيالات مزعزعة.. وخيل إليه أنه في هذه الحالة يمكن أن يقول شيئاً لم يستطع قوله في اليقظة ولم يره في الحلم.. وراح يحاول أن ينظم هذه الحالة لعله ينتج عنها شيء مفيد.. أو جديد.. يخرجه من تجهم الأشياء الجادة والتي يراها دائماً أو يكتبها دائماً والتي تستدعي منه أن يعتسف الأشياء بما في ذلك الكلمات التي ينتقيها لتكون موافقة للمقام والمقال..

وها هو الآن يحاول الدخول في عالم منسرح مفتوح يقبل كل شيء على طبيعته وعلى سجيته مثل كل الأشياء التي تعمل بتلقائية..

ولاحت له صور الأمواج وهي تتراكض بعضها يدفع بعضاً حتى تحتضنها الرمال أو تتكسر على الصخور في لعبتها الأزلية التي لا تتغير ولا تتبدل إلا بتغير الأجواء وتبدلها. ثم راح يصغي إلى همس ريح ينبعث صوتها الخافت بين الأوراق والأغصان المحيطة بنافذته وقال: هذه معزوفة قديمة قدم الريح والشجر.

ولاحت له نجمة تأتلق ينبعث منها ذلك الإشعاع الهادئ المتموج في بعده السحيق وقال: من أي تاريخ بدأ هذا الضوء وإلى أي تاريخ سينتهي ومن ذا الذي يجرؤ على معرفة تاريخ ما بين ذلك..؟ وظهرت له أمم وأكوان وبروق ورعود مشت في ليلها السرمدي تحت وهج هذه النجمة..

وظهرت له صورة الإنسان يسفك الدم في الأرض وكأن الأرض لا ترتوي ولا يستقيم أمرها إلا بسيل الدم المسفوح على أديمها في كل مكان، وكأن سر بقاء الإنسان هو في نزيف دمه الدائم المختلط بتراب الأرض.. وظهرت له هشاشة الإنسان وموته السريع وعمره القصير أمام عمر البحر والريح والنجوم..

وعاد إلى نفسه يسأل بهدوء خفيض وخفيف من أنا..؟ ما هو عقلي..؟ وكيف لي أن أدرك هذه الأشياء..؟ ولماذا أنا أحاول تأويلها وتفسير ومعرفة ما وراءها وما أمامها.. وما قيمة هذا كله لو عرفته..؟ وما علاقتي بهذه الأشياء من حولي وأنا هنا عابر سريع في هذا الكون الأزلي المتضاحك حولي من حرصي على معرفة الأشياء.. وكأنني الخالد الوحيد الذي سيرث الأرض بعد موتها..؟!

وظل عقله يتأرجح بين النوم واليقظة.. وهذه الأشياء كلها تمر بذاكرته وتعبر بعقله فيدعها تتداعى ويدع معها الأسئلة تتداعى وهو يطل على ذاته كأنه معزول عما يدور..

وامتلأ عجباً لهذه الحالة التي تحاول أن تكون متجردة منفصلة مراقبة..! فكيف جاءت هذه القدرة العجيبة التي وزعت المشهد أمامه إلى حالات متعددة؟ ولكنه أدرك أن هناك برزخاً من التأمل يأتي بين الحلم واليقظة.. بين الصحو والنوم.. وأنه في هذا البرزخ قد يلمح الأشياء أكثر وعياً أو ربما يرى الأشياء أكثر وضوحاً رغم ضبابيتها.. أو هكذا هُيئ له..