هل الإبداع عيب في العرف العربي؟ وإن كان ذلك كذلك تبَرَرَ لنا الفعل بلا شك! ثم إن كان إبداع المرأة عيب ونقص يتعارض مع شيَّم المروءة العربية، فلماذا نعتز بالخنساء التي أُعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعرها، وبازت الرجال بشعرها..

المرأة! ذلك الكائن الغريب الذي حباه الله ما يسمى بالحاسة السادسة! وهي موهبة فطرية من الله تأتي طواعية وليس قسراً، فتلهمها ما لا تلهم به أعتى الرجال في أغلب الأحيان، فمن منا ينكر ذلك. وهذه الحاسة التي نلفظها في لفظتها الأولى لما اعتادت عليه الأذن من سماعها، ولها فلسفة أخرى في علم النفس؛ إنما سنقترب قليلاً من مفهومها إذا ما حاولنا فهمها، فهي في علم الفلسفة تسمى (الحدس). والحدس كما عرَّفته قواميس الفلسفة بأنه: " أي – الحدس - ( Intuition) يشير إلى نوع من المعرفة التي لا تستخدم المنطق والاختصاص. فهو يمثل شكلاً من أشكال المعرفة ليست من الضروري تفسيرها بكلمات، عادة ما تأتي بطريقة خاطئة ومفاجئة، والتي على أصلها تنقسم الآراء: آلية الحدس تأتي من عمليات السبب والنتيجة (cause-effect)، وفقاً لطريقة الأفلاطونية المحدثة، الحدس كمنتج في العقل البشري لا يمكن تفسيره بعقلانية، يتعلق بمعرفة فائقة التي تكمن في نفس منطق السبب والنتيجة، أي معرفة فطرية ولا يتم الحصول عليها" أما (أفلاطون وأرسطو) فقد عرفا الحدس بأنه "تصور فوري للمبادئ الأولى، وبالتالي تعبير عن معرفة أكيدة لأن فيها الفكر يصل مباشرة إلى محتوياته، بما أنه الجمع بين الموضوع والشيء، هذين المصطلحين، على الرغم من تناقضهما فهما مكملان لبعضهما البعض ومرتبطان ببعضهما. " أما عند (إيمانويل كانت) فالحدس فهو طريقة معرفية وقسمة بين حدسين "الحدس الحساس" أي معرفة غير فعالة (passive) تأتي عن طريق الحواس. "

ومهما تعددت الآراء مختلفة أم متفقة، إلا أننا نتفق مع أنه نوع من المعرفة العقلية العطاءة المبدعة التي تأخذ حداً من حدود الإلهام الذي حير العلماء مصدره.

وإذا ما سلمنا أن المرأة تتمتع بذلك الحدس الفطري عن الرجل بقدر كبير، فلماذا نهدر هذه الطاقة الكامنة فيها، في زمن لم يعد كسائر الأزمنة ؟! ولما نصنع تفكيرها بحسب مقاسنا نحن؟ فالرجل بطبيعة الحال يبحث في تفكير المرأة عن ما يتلاءم مع تفكيره هو ذاته فيهدر العديد من الطاقات الكامنة كما أسلفنا، فهو – أي أن – الرجل يبحث في مدارات تفكيرها عن ما يصنع له المجد لذاته هو دون سواه وبحسب تفكيره ونهجه وبحسب ما يراه وحتى لو كان ما يراه لا يتناسب مع حدسها وإلهامها وإبداعها!

إن ما دعاني لكتابة هذا المقال هو رسالة من إحدى بناتنا المبدعات العربيات الأبيات الشريفات اللاتي نعتز دائماً بهن من طليعيات هذا الجيل. وحقيقة الأمر أن رسالتها آلمتني إلى أبعد حد ونحن في عصر نبحث فيه عن المبدعات المستنيرات الملتزمات بحدودهن العقائدية والعرفية في خضم الإطار المعرفي في عصر التنوير.

الرسالة جاءتني من إحدى المشاركات في المسابقة وهي تشتكي لي بأنها لم تظهر للنور الثقافي إلا فيما ندر، وقد صدر لها ديوانان ومجموعة قصصية، وكان الألم الحقيقي حينما أخبرتني بأن عائلتها جميعها قد قاطعتها لأنها تكتب! وأن اسمها يظهر مع إبداعها على أغلفة الكتب. ثم أخبرتني أنها من ريف المملكة وما أجمل الإبداع الذي يخرج من أهل الريف الممتلئ بالطبيعة الغضة والفطرية التي قد لا توجد في إبداع أهل المدن وهذا له مدرارات لا يتسع المقال لشرحها فلم نر الإبداع الخالد على مستوى العالم والوطن العربي سوى من أهل الريف!.

لم تكن هذه المرة هي الأولى التي أسمع وأرى مثل هذا السلوك المنكفئ على الذات الفارغة؛ فقد كتبت إحدى بناتنا رواية رائعة الجمال والحرفة والتي أشرفت عليها في كل مدارج كتابتها دون تدخل مني في خطها الأول والأخير. كتبت روايتها الرائعة وهي في إنجلترا تدرس في إحدى الجامعات ثم عادت بها تتلمس الطريق لنشرها، إلا أن عائلتها المتمدنة والقاطنة في إحدى المدن الكبرى في المملكة ترفض أن تنشر ابنتهم روايتها، بل يهددون بمقاطعتها إن تم ذلك، خوفاً أن يظهر اسم العائلة على غلاف الكتاب! معتقدين أن ما يمر في خطوط الرواية قد يتلامس مع شخص ابنتهم ، جهلاً منهم أن الإبداع لا يحمل شخصية الكاتب على الإطلاق، لكن للثقافة شؤون أخرى!

لماذا ترفض العائلة نشر رواية ابنتهم وفي الوقت نفسه يبتعثونها إلى أمريكا وإلى انجلترا للدراسة ولطلب العلم؟ حقيقة الأمر لم أجد لهذا التساؤل إجابة سوى أن الرجل أو قل العائلة تبحث عن ذاتها في ذوات الآخرين، وتستجدي مجداً لها في أهداب العقول الأخرى، وبالتالي لم يعد العقل ملكاً لصاحبه بقدر ما هو ملكاً لمن يديره من خارجه من هناك (بالريموت كنترول) إن جاز التعبير! وهذه كارثة ونحن مقبلون على عصر يتجلى فيه إبداع الشباب ونحن نلهث وراءه لأن إيقاع الزمن سريع والعالم يتغير فنظلم الإبداع ونظلم بناتنا إذا ما فتح العصر عينه فسيجدهن هناك على هُدب الأريكة من طائفة المتفرجات.!

سؤال مُلح: هل الإبداع عيب في العرف العربي؟ وإن كان ذلك كذلك تبَرَرَ لنا الفعل بلا شك! ثم إن كان إبداع المرأة عيب ونقص يتعارض مع شيَّم المروءة العربية، فلماذا نعتز بالخنساء التي أُعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعرها، وبازت الرجال بشعرها في مجلس النابغة الذبياني؟ فهي تماضر بنت عمرو بن الحارث السلمية والتي عرفت بحرية الرأي وقوة الشخصية، ونشأتها في بيت عـز وجاه مع والدها وأخويها معاوية وصخر، فكان بشار يقول عنها: تلك التي غلبت الرجال " بقصد تقييم شِعرها"!.

ولذا نقول ونحن في أزهى عصور المرأة وخاصة في المملكة العربية السعودية والتي لم تأل الدولة جهداً في الأخذ بيدها: ارفعوا أيديكم عن أقلام النساء المبدعات، فالقكم شرف سيف المداد في عصر قادم لن يرحم الجهل فيه أحداً.