الاستثمار في المرور لن يرفع مستوى أفراد المرور فقط، لكن سينعكس على كل سائقي المركبات في المملكة بشكل عام، وسينعكس على انضباط الشارع، وإعطاء كل وافد وزائر فكرة إيجابية عن المملكة وأخلاق شعبها..

تعلمت قيادة الطائرة قبل السيارة، وكنت محظوظاً أن تعلمت سياقة السيارة وأصول السلامة أثناء ابتعاثي لأميركا، لقد استثمر الوطن في أبنائه كثيراً، وخاصة في مجال التعليم، ومنه الابتعاث إلى جامعات الدول المتقدمة، فالاستثمار في الإنسان هو الأكثر عائداً وفائدة، فما بالك حين يكون لحماية الأرواح وتقليل عدد الإعاقات، وتقليل عدد شاغلي أسرَّة المستشفيات وغرف الطوارئ من مصابي حوادث الطرق التي تشغل حوالي 25% من تلك الأسرة. كيف سيكون عائد هذا الاستثمار حين يوفر مليارات الريالات التي تستنزف سنوياً لشراء مركبات جديدة وقطع غيار بسبب حوادث يمكن تفادي معظمها؟

الاستثمار في المرور لن يرفع مستوى أفراد المرور فقط، لكن سينعكس على كل سائقي المركبات في المملكة بشكل عام، وسينعكس على انضباط الشارع، وإعطاء كل وافد وزائر فكرة إيجابية عن المملكة وأخلاق شعبها والتي يشوهها سوء سلوك بعض السائقين من تعدٍ على أنظمة المرور، وعدم إعطاء الأفضلية في التجاوز وغيره.

الاستثمار في المرور يعني أن نحترم حق المشاة وحقوق ذوي الإعاقة، ويعني عدم الوقوف في الأماكن الممنوع الوقوف فيها، وهو يعني المساهمة في تحقيق الأمن وسرعة ضبط المطلوبين من لصوص ومروجي مخدرات ومجرمين، ومعاقبة من يرمي مخلفاته في الشارع.

الرقي بالخدمات ومنها المرور يعني توظيف المزيد من المواطنين في وظائف مجدية سيدفع تكاليفها المخالفون للأنظمة، فوائد كثيرة ستنعكس على كل نواحي الحياة في المملكة خصوصاً حين يكون التطوير شاملاً وليس جزئياً أو مؤقتاً، بل هو عملية مستمرة يركز فيها على النواحي الآتية:

أولاً: أهم شيء يجب التركيز عليه هو العنصر البشري الذي سيراقب وينفذ الأنظمة بكل حزم وأمانة وقناعة تامة أنه لا يحرر مخالفات بقدر ما ينقذ أرواحاً ويحمي ممتلكات، العنصر البشري هو الأساس في نجاح مشروع التطوير أو فشله، وهذا يتطلب الاستفادة من تجارب الدول المتقدمة، مع التركيز على حسن اختيار الكفاءات وتدريبها وإعطائها رتباً خاصة بها، فليس من الضرورة أن تكون رتباً عسكرية فيها أفراد وضباط، فأكثر الأفراد لا يتعدى تعليمهم المرحلة الثانوية، وأكثر الضباط لا ينزلون إلى الميدان حين يتقدمون في رتبهم. من المهم الاستعانة ببيت خبرة يسهم في وضع الأسس لمرور قوي ومعاهد ومدارس قيادة متميزة، مع العمل على الرفع من مستوى المرور الحالي وتنظيمه ودعمه بالأفراد وووسائل التقنية.

ثانياً: التقنية من أهم وسائل مضاعفة القوة وتوفير الجهد، تعميم التقنية يعني عدم ضرورة تواجد العنصر البشري في كل مكان وخاصة عند الإشارات المرورية وداخل الأحياء، مع ضرورة تحديد السرعة في الشوارع داخل الأحياء، وأحقية السير وإشارات التوقف عند التقاطعات، وهي شبه معدومة في الوقت الحاضر، ولهذا السبب تقع حوادث كثيرة داخل الأحياء. كما أن رصد المخالفات آليا ومعرفة عدد الحوادث وأسبابها، وعدد الوفيات والإعاقات عن طريق التحكم المركزي سيوفر معلومات مهمة تساعد متخذ القرار على معرفة أوجه الخلل سواء في الطرقات أو في المدن ومعرفة مدى تطبيق الأنظمة، وكما يقال: المعرفة قوة.

ثالثاً: التعليم من أهم الوسائل المتوفرة لدينا لتعلم الانضباط واحترام الأنظمة واتباع أسس السلامة، ولا أعني هنا وضع منهج نظري عن السياقة والسلامة فقط، لكن على المدارس أن تعلِّم طلبتها احترام النظام وتطبيقة، وهذا لن يتم إلا بممارسته في المدرسة على كل مستوى من الوقوف في الطابور الصباحي إلى الانتظام في صف واحد أمام مقصف المدرسة، وعدم التعدي على حقوق الآخرين بالدخول من اليمين والشمال كما هو في الكثير مما يحصل في حياتنا العامة. احترام النظام هو الصفة البارزة لسلوك أبناء الأمم المتحضرة، وما ذلك إلا نتيجة تعليم موجه يركز على تهذيب الأخلاق وزرع القيم وممارسة العادات الحميدة. والمملكة مقبلة على تحول كبير ورؤية طموحة ستتضح ملامحها في القريب العاجل بإذن الله لتتحول من دولة نامية إلى دولة متقدمة يسودها النظام ورقي الخدمات ويكون الإنسان هو محور اهتمامها.

كتبت كثيراً عن السلامة على الطرق وهي تستحق كل ما يبذل من أجلها، ذلك أنه لا شيء يعدل إنقاذ نفس واحدة، فكيف إذا كان التطوير يهدف إلى إنقاذ آلاف الضحايا والمعوقين سنوياً، وهذا يتطلب تضافر الجهود من قبل كل الوزارات المعنية بالسلامة على الطرق.