من يسير في شوارع الرياض وحتى المدن السعودية الأخرى يلحظ شيئاً غريباً عجيباً فيها، الاختلاف أنك لا تجده إلا لدينا ومصدر هذا العجب أنك تلاحظ أن في كل شارع بمسارين رسميين وحتى داخلي عدداً مهولاً من الصيدليات.. وكأن السعوديين مرضى لا يستغنون أبداً عن العلاج ويطلبونه بكثرة أشد من حاجتهم للمواد الغذائية التي تراجع عدد دكاكينها مقارنة بالصيدليات..

ولك أن تتخيل أن شارعاً كما هو "شارع عنيزة" شرق الرياض وهو بمسارين وعرضه نحو ثلاثين متراً وطوله لا يتجاوز الثلاثة كيلو مترات يعج بأكثر من عشر صيدليات ناهيك عن تلك الأخرى التي تأخذ مساراً قريباً جانبياً عنه على شارع أحمد بن حنبل والزبير بن العوام.

في الأمر شيء خاطئ وأجزم بذلك من خلال أنك في كل بلد تجد تقريباً لكل حي صيدلية على أكثر تقدير، أو تجدها مرتبطة بالمستشفيات.. ولست أبالغ في تأكيد ذلك من خلال تجارب وسفرات كثيرة، وهنا حق لنا أن نتساءل عن سر الانتشار الكبير لهذه الصيدليات.. ويبدو أن هيئة الغذاء والدواء قد كشفت الأمر عياناً بياناً قبل أيام من خلال فيديو متداول.

السر يكمن في تضاعف أسعار الأدوية والمكملات الغذائية حد أنها قد تبلغ عشرة أضعاف أو أكثر وسط إهمال وعد مراقبة أفضى إلى التضخم الكبير بعدد الصيدليات، فلك أن تتخيل أن دواء تطلبه من الخارج بسعر 40 ريالاً تجده في صيدلياتنا بنحو 500 ريال، والمضاعفات الأكبر حينما يكون هذا الدواء أو المكمل الغذائي محتكراً كما تفعل المستشفيات الكبيرة ووكلاء الصيدليات؟!.

إذاً نحن إزاء سرقة علنية "عيني عينك" تكشف حجم الصيدليات الكبير المنتشر في بلادنا ولك أن تتخيل أن في بعض الشوارع الداخلية ثلاث صيدليات وبمساحات كبيرة تتجاور متلاصقة وفق منظر غريب غير المتفرقة وليست بعيدة عنها، وكأن الدواء قوت يومي للشعب لا بد أن يصرف خمسين بالمئة من مرتبه عليه.

وما دام أن الصيدلية تربح أرباحاً خيالية لا تجدها في أي منتج آخر لذا لن نستغرب التسابق المحموم على انتشارها، والمشكلة الأكبر وكما روى لي زميل يعمل في الصيدلة استشرته في فحوى هذا المقال، أنه ومن فرط ضخامة الأرباح فالعاملون فيها من الصيادلة العرب يعملون دون إجازة أسبوعية ولمدة اثنتي عشرة ساعة يومياً، من فرط نسب الأرباح التي يتلقونها "حسب رأيه".

أعود إلى المقطع الخاص بمسؤول هيئة الغذاء والدواء الدكتور بسام العون -وفقه الله- هو وزملاءه، وهو يضبط دواء سعره في موقع الهيئة بـ 28 ريالاً ويباع لدى الصيدليات بـ 375 ريالاً وهو ما يدفعنا إلى نقل التساؤل أبعد من ذلك في ظل أن هيئة الغذاء والدواء قد بُحّ صوتها وهي تطالب في العام 1437 بإشرافها مباشرة على كل ما يخص الصيدليات.. لماذا لا نوسع نطاق هيئة الغذاء والدواء؟ بعد أن أثبتت نجاحاً كبيراً في حماية البلاد والعباد من لصوص الغذاء والدواء.. لكن يبدو أن لوزارة الصحة والتجارة رأياً آخر؟!.

المهم في القول أن ما يحدث في الصيدليات والأرقام التي تظهر تباعاً هي سرقة علنية وسط تراخٍ كبير لن يردعه إلا حزم وتقنية، والرقي الرقابي لهيئة الغذاء والدواء، بمنحها كامل الصلاحيات للإشراف، وأجزم هنا مرة أخرى إن تم ضبط التلاعب بالأسعار في الصيدليات ستجدوا أن كل حي في مدننا سيكتفي بصيدلية واحدة.. لأن عهد العبث قد ولّى.