كان الخط الحديدي الحجازي، قبل أن يطويه النسيان أو الإهمال، وهو في مقتبل العمر، يمر مما سيعرف لاحقاً بشارع العينية، قادماً من محطته الرئيسة، في منطقة العنبرية، حيث يتم إنزال القادمين، أمام باب السلام، واسم هذا الشارع ينسب إلى الشيخ العيني الذي نفاه الأتراك من مصر إلى المدينة المنورة، حيث اشترى بستاناً عرف باسمه، وفي القاهرة منطقة تسمى منطقة القصر العيني، وهي ملاصقة لحي جاردن سيتي، حيث سكن علية القوم من المصريين والأجانب، كما عرفت مزرعة اوبلاد الداوودية، شمال المدينة، باسم داود باشا، الذي نفي هو أيضاً إلى المدينة المنورة، ليكون والياً عليها، بعد أن فشل في إدارة المدينة العراقية بغداد، وهناك مطولة روائية اسمها "أرض السواد" للروائي عبدالرحمن منيف"، ترصد فترة ولاية "داود باشا"على بغداد، قبل أن تتم إزاحته! لكن بستان أوبلاد الشيخ العيني تحول من ممر للذاهب باتجاه باب السلام، وهو أحد أبواب المسجد النبوي الشريف، ليصبح ما يعرف عند أهل المدينة بشارع العينية، ويمتاز هذا الشارع بالبواكي، وهي نظام معماري ساد في عديد من المدن التركية والعربية، خصوصاً بغداد ودمشق والقاهرة واستنبول، وتحت هذه البواكي تسطف المحلات التي تعرض كل ما يخطر على البال، من المعروضات، ففي هذا الشارع مطاعم تقدم الأكل بالشوكة والسكين!، وفيه قد تجد إعلانات عن شكولاتة كادبري! وفيه محل للتجبير، تجبير الصحون وأواني الشاي المصنوعة من الصيني الفاخر، وهناك معارض للساعات، وأشهرها في ذلك الوقت ساعة أم صليب، وساعة فافرلوبا!، ومحل مختص بصناعة الجيلاتي أو الدندرمة، ويتحول هذا المحل في الشتاء إلى تقديم السحلب والمشروبات الساخنة. وهناك محل يعرض بضائع الهواة، وأبرزها الطوابع التذكارية، التي تشمل الألبومات والملاقط والمجاهر، إضافة إلى الصور والانتيكا أو التحف، وسوف تجد في هذا الشارع كل شيء، حتى صحيفة المدينة الوحيدة، كانت تخرج منه!

وبداية هذا الشارع أو مدخله، هي ما كان يعرف بالمناخة، وحالما تدخل من المناخة، سوف يكون عن يمينك عديد من المداخل، أبرزها مدخل يأخذك إلى الباب المصري، وعنه باتجاه الشمال مدخل باتجاه سوق الحراج وسوق البرسيم وسوق السياكل والأرانب والحمام، وفي هذا الشارع "مغازة" للبيع بالجملة، وفي مدخل هذا الشارع "مقهى حريقة"، وحريقة هو اسم صاحب المقهى! وبعد أمتار يأتيك مدخل إلى سوق القفاصة، ومحلات لمخيطي الملابس والبشوت، وبعده زاوية سيدي مالك، والمداخل من شارع العينية على محدودية طوله كثيرة، وقد كنت أرى الشارع طويلاً ورحباً، مثلما كنت أرى بيتنا، الذي لم تكن مساحته تزيد على 100م2، حتى رأيت الصوالين التي تفوق مساحة بيتنا، والمولات التي تزيد مساحتها أضعافاً عن مساحة شارع العينية!

وعند نهاية شارع العينية أنت مضطر للنزول بضع درجات، لتكون في ساحة باب السلام، وفي هذه الساحة، عوالم أخرى، في هذه الساحة مجموعة مكتبات، أبرزها المكتبة السلفية ومكتبة النمنكاني، ومحلات لبيع النحاسيات، ومحلات لبيع العطور التقليدية والمسابح والسجاجيد، وثلاجات شعبية تقدم المشروبات، وأبرزها السينالكو والسفن آب والكولا، إضافة إلى لون من ألوان المهلبية، يقبل عليه حجاج جاوة، يسمى "انقرمنيس"، وبمواجهة باب السلام هناك "صحية باب السلام" وسوق القماشة، وهذا السوق عالم آخر قائم بذاته!

لا يمكن أن تأتي إلى المدينة دون أن تمر من هذا الشارع يومياً، ذهب الشارع الآن وبقيت رائحته في باب السلام.. فهو باب تدخل منه لتكون في الروضة الشريفة، حيث سيد الخلق عليه أفضل السلام.