بالتأكيد أن العشرينيات هي أزهى سنين العمر.. أكثرها انطلاقاً، وأوسعها بهجةً، ولكن هل يمكن أن تتحول هذه السنوات الرائعة إلى كابوس مخيف من الهلع يقود إلى الاكتئاب والضياع؟ والأسوأ من ذلك؛ التوقف عن التقدم إلى الأمام!

يبدأ الشاب تلمس طريقه نحو تكوين نفسه وتحديد مسار حياته وعلاقاته بعد التخرج من الجامعة أو الالتحاق المباشر بسوق العمل، لكنه بعد سنتين أو ثلاث يمسي معرضاً للغرق في مستنقع الاحباط، وانعدام الأمان، وشعور خيبة الأمل، والقلق الشديد من المستقبل، لأنه لا يعرف عمّا إذا كان دربه الحالي هو الصحيح أم لا! تكاد تكون هذه الأزمة النفسية مشابهة لما يحدث منتصف العمر، لكنها هنا تحدث عند البعض مبكراً، وقد تكون أشد فتكاً بالحالة النفسية، وقد تسبب أضراراً يصعب تجاوزها. وسببها الرئيس يعود دوماً إلى عدم معرفة الشاب بنفسه، عدم يقينه عمّا يريد وعمّا يرغب!

تبدأ أعراض الأزمة مع شعور الشاب أنه سجين وظيفته أو علاقته الاجتماعية، أو حتى مشروعه الخاص التجاري أو التطوّعي، فالروتين المستمر والتوقف عن اكتشاف آفاق جديدة يلقي بظلاله سريعاً على هذه الفئة العمرية، وبالذات هذه الأيام حيث سرعة التواصل الاجتماعي وتسارع المستجدات، ويجعل الهلع كما لو كان كرة ثلج تتدحرج من شاهق، تكبر كل يوم وتزداد سرعة، لذا لا بد من إعادة التفكير –دوماً- بما تريد لا ما تعتقد أن الآخرين يريدون، ناهيك عن عدم التوقف عن الابتكار والتغيير، ولا يمنع الأمر من الانتقال إلى مسار مهني مختلف أو علاقة إنسانية جديدة.

ضغوط أزمة "ربع" العمر تزداد حدة مع شعور الشاب بالجمود بينما كل ما حوله يتغير ويتقدم إلى الأمام، وهو أسير مكانه، وبالذات حين المقارنة مع الناجحين من فئته العمرية، دعني أخبرك هذا الشعور المهين ليس سيئاً بحد ذاته! بل قد يكون كلمة السر حتى تتشجع وتأخذ زمام المبادرة وجرأة المغامرة، لا تقلق كل ما عليك فقط ألا تقف مكانك. أيضاً قد تكون رسمت خريطة واضحة لمسارك المهني وميولك، لكنك لم تحقق شيئاً يذكر، أو أن جدولك الزمني لم يكن صارماً، هذا أمر طبيعي، الأمر السيئ ألا تفعل شيئاً تجاه ذلك! وألا تحاول تغيير خطتك أو أهدافها.

من المتوقع أن يصيب الشاب شيء من شظايا هذه الأزمة، فالآمال كبيرة والواقع صعب، وأيضاً تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، لكن اقتناص هذه الأزمة كفرصة ينطلق منها الشاب نحو الأمام، ويتجاوز تغنيه بأيام مراهقته –حيث لا وظيفة ولا التزام- محاولة تستحق العناء، سواء عبر وظيفة مختلفة، أو شغف يسعد قلبه، أو موهبة يؤمن بها، أو حتى هواية أو رياضة يملأ بها وقته، لتكون وصفة الشفاء، والأهم لقاحاً يمنع من الوقوع في الأزمة النفسية الأكبر؛ أزمة "منتصف" العمر، التي غالباً ترتبط شدتها بمدى شدة هذه الأزمة وقدرة الشاب على تجاوزها.