كل ما يلزمك هو أمسية مع نفسك، تحضر فيلم "جينْيَس" أو العبقري لمايكل غراندج، تجلس أمام شاشتك وتستمتع بمتابعة مرحلة جد مهمة من حياة الناشر وليام ماكسويل إيفارتس بيركينز المعروف بـ "ماكس بيركينز" والذي عمل في "منشورات سكرايبنر" لمدة 36 سنة. وهو مكتشف إيرنست هيمنغواي، فرانسيس سكوت فيتزجيرالد، وتوماس وولف...

ناشر "ولا في الأحلام" عرف أن يجعل من الدار مغامرة حقيقية في عالم النشر، بحث عن مواهب شابة بحاسته القوية من خلال ما يقرأ، ورافق كتابه في رحلتهم الإبداعية كصديق ومعلّم، له الفضل لأن نعرف إرنست هيمنغواي، ووولف الذي يستحيل أن يتحمّل جنونه أحد، وعقدة الفيلم الذي أنا متيقنة أنكم ستحضرونه وستتابعونه بدهشة وشغف تدور حول هذا الموضوع، في تلك الفترة القصيرة التي احتضن فيها وولف وصنع منه كاتبا من أعظم كتاب أميركا قبل وفاته شابا بسبب فيروس أصابه في الدماغ.

حكاية تقشعر لها الأبدان، ومن خلالها سنفهم لماذا تلك الشعوب التي ننتقدها ليل نهار تفوّقت علينا، ولا تكف عن التقدم والتطور ونحن غير مبارحين أماكننا.

لبيركينز الفضل في جعلنا نقرأ رواية "غاتسبي العظيم" ولا بأس إن لم تتَّطلعوا عليها أن تقتنوها كفيلم لأمسية أخرى حيث أبدع ليوناردو دي كابريو في تجسيد دور غاتسبي، وأبدع المخرج باز لورمان في نقل أجواء العشرينيات الأميركية وجعلنا نفهم ثمن الـ "نعم" في الوقت الذي يجب أن نقول "لا" بعبقرية فائقة الروعة.

هذه دعوة لجميع عشاق الأدب والفن السابع، ولكنها أيضا رسالة للناشر الذي امتعض وانزعج من مقالي السابق، وتلفّظ بما لا يليق أن يتلفّظ به رجل محترم.

ليس عيبا أن تخطئ بل العيب أن تبقى على خطئك وتستمر فيه.

مهنة الناشر لو أنها تطورت منذ عصر النهضة إلى يومنا هذا، لكانت شعوبنا راقية، وليست مثار سخرية في التخلف والجهل، وشبه غائبة عن الوعي تجرُّها وحوش العالم للتهلكة من أجل مصالحها.

صحيح أن الناشرين في العالم كله مصاصو دماء لكتّابهم، وقد عانى كتّاب الغرب أيضا منهم، حتى اعتقد البعض "أن الناشرين هم الجحيم على الأرض"، لكنهم بالمقابل كانت لديهم إيجابيات غطّت على "شرورهم" تلك، على الأقل يعتنون بالدجاجة التي تبيض لهم ذهبا ولا يجهزون عليها من أول بيضة.

قصة "لويس هاشيت" الذي بنى إمبراطورية النشر التي تحمل اسمه إلى يومنا هذا في فرنسا، فكّر في طريقة تسهل تسويق كتب للأطفال، فابتكر أكشاكا كنقاط بيع في محطات القطار، وكانت هذه الفكرة قد لفتت نظره في بريطانيا وقد سبقه إليها البريطاني ويليم هنري سميث... علينا أن نعرف كيف كانت فرنسا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي لندرك حجم المغامرة التي قام بها "هاشيت" ويعمل على نجاحها.

هذا الناشر المغامر، لم يتربّع على مكتبه واضعا رجلا على رجل مرددا على مسامعنا أغنية "الجمهور عاوز كده" لقد وضع صوب عينيه هدفا وهو إيجاد سوق للكتاب ووجده.

الناشر الذي يعتقد أن كاتبه "دجاجة" وزبائنه "حمير" بالتأكيد سيوصل الكتاب للزرائب والإسطبلات، وبدل أن تصل كتبه إلى أيدي القراء ستفرمها الفئران في المخازن...

يا إلهي إن الفساد منتشر حتى في هذه الطبقة التي نعتقد أنّها مثقفة، فاللهم اهد الجميع...!