"ربما هي المبدعة التي فاق بخس نتاجها كل تصور".

هذه المرأة التي اشتهرت بالعديد من الألقاب، فلقد لقبوها ب "فتاة باريس." و"النسخة المؤنثة من دالي."، هذه التي اضطر للاعتراف بموهبتها الفنية ملك السوريالية سلفادور دالي نفسه قائلاً، " إن نتاجها جيد قياساً بغيرها من الفنانات، لكن العبقرية تظل للذكورة."

إنها لينور فيني Leonor Fini التى تعد ظاهرة لا تتكرر في تاريخ الفن الحديث، المرأة التي لم تتلق تعليماً فنياً وإنما يمكن أن يُقال بأنها خريجة الظلام، فلقد ولدت في الأرجنتين وتربت بإيطاليا وشردتها منها الحرب حين كانت في الخامسة والعشرين من العمر لتفر متخفية مع والدتها لتحط عام 1932 في باريس عاصمة الفورة الثقافية حينها والمرجل الذي توهجت فيه عبقريات كتاب وفنانين ومفكرين تركوا بصمتهم في تاريخ الإبداع الإنساني، مثل صامويل بيكت ومارسيل بروست وبيكاسو وسلفادور دالي وغيرهم.

في ذلك المرجل حلت لينور فيني لتسقط في غياهب الظلام حين أصيبت بمرض في الأعصاب البصرية اضطر معه الأطباء لوضع عصابة على عينيها وقضت عدة أشهر تتحرك في ظلام دامس، وحين انبعثت من تلك الظلمات كانت ولكأنما محملة برؤى من خيالات الظلمات تلك والتي تتمحور حول إعادة تجسيد الأنثى كمخلوق بقوى فردوسية لا تتورع في تجريد الذكور من كسوتهم بحضرتها، وسارعت لينور فيني للريشة وصفحات الكانفاس بل وتصميمات الأزياء وخشبات المسارح تسقط عليها تلك الأخيلة قبل أن تغيب في النسيان، عوالم سرية مجنونة أذهلتها - حسب تصريحها- بقدر ما أذهلت جمهورها والذي كان من خاصة الخاصة، خلاصة رجال الفن والأدب والذين سحرتهم لينور فيني المرأة الوحيدة التي أثبتت وجودها كفنانة ضمن الحركة الفنية السوريالية فكانت بمثابة الملكة المتوجة في تلك الحركة والحياة الصاخبة التي أحاطتها حينها، الملكة التي حركت الفضول والمخيلات بماتميزت به من ذوق مذهل في غرابته بالإضافة لجمالها الوحشي وحضورها الأخاذ والذي أهلها لكي تعزز وجودها كفنانة وذلك في وسط ذكوري بين أشهر فناني القرن العشرين مثل بيكاسو ودالي والمصور هنري كارتييه، والذي طافت معه أوروبا بالسيارة على مافي ذلك من مغامرة حينها وقام بتصويرها مع غيره من مشاهير مصوري العصر، حتى اشتهرت بأنها قد ضربت الرقم القياسي في القرن العشرين في عدد الصور التي اُلتقطت لها، ومن المعروف أن أحد الصور التي التقطها هنري بريسون لها قد فاقت كل صوره ثمناً، حيث بلغت قيمتها في المزاد الذي عقد عام 2007 مبلغ 305000 دولار أميركي.

المدهش أن هذه الملكة قد توقدت مثل شهاب لم يلبث أن احترق كأن لم يكن، إذ تبدو كمن سقطت من صفحات التاريخ الفني الباريسي بوفاتها عام 1996 عن عمر 88 سنة بشقتها، لم تخلف لينور فيني من الفن ما يمكن أن يذكر سوى صورها التي انتشرت بصفحات المجتمع بمالا يُحصى من الصحف العالمية وانضمت لأرشيفات العالم، إذ ربما فاقت غرابة شخصيتها المصادمة شهرة فنها، بحيث تركت قبسات متفرقة من الإلهام لمصممي الأزياء المعاصرين مثل جان بول قوتيه في مجموعة العطور التي صممها على هيؤتخا، أو النقاد مثل الناقد الفني بيتر ويب Peter Webb الذي أصدر عنها كتاباً في عام 2011 بعنوان "أبو الهول: حياة وفن ليونور فيني"، تدفعك تجربة لينور فيني للتساؤل حول قدرة نتاج المرأة الفني على المنافسة ضمن نتاج الذكور، وربما نتاج فنانة مثل اليابانية كوساماYayoi Kusama أو المصورة الأميركية آني ليبوفيتز Annie Leibovitz أو مخرجة الأفلام كاثرين بيجيلو Kathryn Bigelow ليتحدى محاولات تجنيس الإبداع ودعاوى تحجيم المتفوق منه.