إيران تقرأ المشهد، وتذهب في اختبار الإرادة الأميركية إلى أقصى مدى، فبعد عدة ساعات وضعت الإدارة الأميركية في اختبار حقيقي لمعرفة ما إذا كانت التهديدات قابلة للتطبيق أم أنها مجرد تكتيكات لتحقيق أهداف أكثر واقعية..

ثلاثة وزراء خارجية يمثلون أميركا وبريطانيا وروسيا على يمين المشاهد، ويليهم مسؤول الملف النووي الإيراني، وأربعة وزراء على يسار المشاهد يمثلون الصين وفرنسا، وألمانيا والاتحاد الأوربي. الشخص التاسع في الصورة يقف في المنتصف تماما إنه وزير خارجية إيران. الجميع يستعدون للصورة بينما يستغرق ظريف في ضحك هستيري ورأسه إلى الأعلى.

هذا المشهد الذي لم يضحك فيه أحد بتلك النشوة سواه هو العنوان الأمين للاتفاق النووي الإيراني مع ما يسمى بدول 5+1، لقد ضحكت إيران وأوروبا على باراك أوباما ووزير خارجيته، وبذلك فتحت دول أوربا والصين وروسيا لشركاتها الكبرى وبخاصة في مجال النفط ومشتقاته والصناعات سوقا ضخمة بعيدا عن العقوبات الأميركية التي خنقتهم سنوات طويلة.

الرئيس باراك أوباما الذي بذل كل طاقته لتوقيع الاتفاقية ولذلك حال بين المفاوضات وفتح ملفات إرهاب إيران ضد الأميركيين، والأوربيين، ودول الخليج. وبموافقة من الإدارة الأمريكية غُفر لطهران احتلالها أربع عواصم عربية وفقا لتصريحات إيران ذاتها، بمعنى أن الذي يهم أميركا وأوروبا هو الملف النووي، وأما بقية الملفات فإيران في حل منها بأمر الدول العظمى. وهي أيضا في حل من لعن أميركا واليهود في كل مناسبة، وفي حل من كل دم سال بسبب تدشينها العمليات الانتحارية وشرعنتها لها منذ بدأت الثورة الخمينية. أوباما لم يكن (يهايط) وإنما يعمل بصمت عبر مفاوضات طويلة المدى انتهت باتفاق يخول إيران أن تسرح وتمرح كيفما تشاء، وتحمل إليها العملة الصعبة بطائرات خاصة عداً ونقداً. أما نهاية ماراثون المفاوضات والاتفاقيات فقهقة وزير خارجية إيران في حالة لم يسبقه إليها سوى بوريس يلتسن في ضيافة الرئيس كلينتون في البيت الأبيض في أكتوبر 1995. فهل كان ظريف ثملا من الكحول أو من السعادة بأنه ضحك على السيد أوباما ووزير خارجيته جون كيري. لقد قبضت إيران مقدما كما قال الرئيس ترامب، وأخذت إجازة مدفوعة الثمن للتفكير في طريقة تنفيذ برنامجها النووي وغداً ستلاعبهم كما تفعل كوريا الشمالية.

تعمل الإدارة الأميركية الحالية على تعديل ميزان المدفوعات الإيرانية ليس إلا، فأوروبا وروسيا والصين ماضية في تنفيذ الاتفاقية دون النظر للتحفظات الأميركية. إيران تقرأ المشهد، وتذهب في اختبار الإرادة الأميركية إلى أقصى مدى، فبعد عدة ساعات وضعت الإدارة الأميركية في اختبار حقيقي لمعرفة ما إذا كانت التهديدات قابلة للتطبيق أم أنها مجرد تكتيكات لتحقيق أهداف أكثر واقعية. دخول الحشد الشعبي (أو الحرس الثوري العراقي) مدعوما بقوات الحرس الثوري الإيراني إلى كركوك وبما يقال إنها مساعدة من أسلحة أميركية يثير الكثير من الأسئلة عن جدية الولايات المتحدة الأميركية في كبح جماح إيران.

لست مع تقسيم العراق العربي، ولا مع حرب ضد إيران تشنها أميركا، ولكن مع موقف عملي صارم ضد قوات الحرس الثوري وقادته الذين يجوبون الأراضي العراقية على مرأى ومسمع من قوات التحالف الدولي. وكان أمام الأميركيين الفرصة ولو بتصريح شديد يخص قاسم سليماني الإرهابي المطلوب لأميركا، أو حتى وضع مكافأة مالية لمن يأتي به، لكن شيئا من ذلك لم يحدث. وهنا تنثال الأسئلة المستحيلة على الإجابات حول توافقات سرية خاصة وأن كردستان فيها أكبر محطات المخابرات الأميركية والإسرائيلية، فهل دخل سليماني كردستان وبخاصة السليمانية على حين غرة منها؟ التفسيرات التآمرية حق أصيل في الاجتهاد إذا غابت المواقف والمعلومات.

الأوربيون والأميركيون لن يحاربوا نيابة عن أحد، وشؤون المنطقة لا تعنيهم سوى في كسر شوكة داعش والتنظيمات الإرهابية التي قد تهدد مصالح تلك الدول في الداخل حيث يغضب الناخب وحينذاك تهتز كراسي الساسة. فكيف تقف دول المنطقة إلى جانب التحالفات الغربية في محاربة الإرهاب إذا كانت تلك الدول تعطي الرخصة تلو الأخرى لإرهاب ملالي إيران؟ ولا ترغب في فتح ملف الإرهاب الإيراني للمناقشة طالما تم تقديم الوعود أن إيران سوف تمسك بتلابيب خلاياها النائمة فلا تعكر صفو الناخبين في الشوارع الغربية.

أثبت الغرب على مدى عقود من العلاقة معه أنه يمارس باحترافية ازدواجية في المعايير التي يتعامل بها مع الشرق الأوسط. ولكن دول الشرق الأوسط أيضا أثبتت على مدى تلك العقود أنها لا تتعلم من الدروس.