ماذا لو نثرت بالتقسيط حروف قصيدة على الطريق؟ كل أسبوع يحُفر حرفٌ واحد على حجر واحد ثم يُغرس في الطريق، كم سيصل طول الكليومترات التي سوف تمتدد عليها القصيدة بعد عشرة آلاف سنة؟ هذا ما يأمله مبتكرو مشروع «حروف أوترِخت» أن يُجيب عليه!

بفكرة مستوحاة من مؤسسة «إطالة الآن» الأميركية وغيرها من مؤسسات النفع العام الهادفة إلى ترويج ثقافة إطالة التمتع باللحظة وتعمير الزمن، عبر تعزيز نمط التفكير: «أبطأ/أفضل» على حساب النمط السائد حالياً: «أسرع/أرخص»؛ بادر عمدة مدينة «أوترِخت» «الليد ولفسن» بتبني فكرة القصيدة التي «لا تنتهي» على أحجار أرضية شوارع مدينته الهولندية، تلك الفكرة التي نُفذت عبر تعاون بين المؤسسة البحثية الهولندية «أجيال المليون» ونقابة الشعراء المحلية، حققت نجاحاً واستمراراً لفت الأنظار إلى هذه المبادرة الفريدة من نوعها.

حُفر أول حرف من القصيدة في الثاني من يونيو 2012م، ولكن لكي يتم احتساب القصيدة من غُرة الألفية الثانية حُفر 648 حجراً مرة واحدة تمثل الأسابيع السابقة، حملت أبياتاً كتبها خمسة عشر شاعراً مختلفاً، بعد ذلك أضحت المدينة تختار كل سنة شاعراً يضيف بيتاً للقصيدة، وبالمناسبة كان أحدهم شاعراً هولندياً من أصل عراقي، هو الشاعر «بابان كيركوكي».

ولك أن تتخيل أن هذه القصيدة التي تزداد حرفاً واحداً فقط عند الساعة الواحدة ظهراً كل يوم سبت تحتاج إلى ثلاث سنوات لاستكمال جملة متوسطة! ذلك أنها تنمو خمسة أمتار كل سنتين. لكنها اليوم خير وسيلة للتعبير عن قدرة الإنسان على استكمال الآمال الطويلة والمشروعات المستدامة، وها هي المدينة تتيح الفرصة لمن يرغب بالتبرع والمساهمة في غرس الحجر كل مرة، تطبيقاً للمثل الهولندي العتيق الذي يمكن ترجمته بـ»ساهم بحجرك»، أي قم بدورك للمساهمة في شيء أكبر منك، ولا أجمل من التفكّر والتأمل في الزمن ورحلته، ناهيك عن تحوّل حروف هذه القصيدة التي لن ندرك نهايتها إلى أشهر. معلم ثقافي وسياحي يجذب الزوار إلى حي « أوديجراخت» وسط المدينة أكثر من برجها الشهير.

الفكرة بسيطة وسهلة التنفيذ رغم أنها تكاد أن تكون شبة خالدة، السؤال هنا ألا تستحق مدننا مشروعات ثقافية اجتماعية تُخلد اللحظة؟ وتؤكد استمرارية الأجيال المتتابعة في حمل شعلة الإبداع؟ بالتأكيد، ولكن من يعلق جرس المبادرة؟