ربع قرن وأنا أركض بين المكتبات ودور النشر لاقتناء الكتب التي أقدمها في الإعلام العربي للترويج للكتاب، ربع قرن لم تتغيّر فيه معاملة النّاشر للإعلامي، يبيعك الكتب بخصم، وينتظر منك أن تكتب مقالات جيدة عن كل ما أخذته.

تفهم من ركضك المستمر أن تشجيعك للكتاب نابع من حبك للكلمة وللكُتَّابِ الذين لا يطالون من دور النشر لا عنب الشام ولا بلح اليمن، ويفهم النّاشر أنك «الأوفيس بوي» الغبي الذي يشتغل عند «أمُّو وأبوه» أمّا غير ذلك فأنت تقضي مدة عقوبة صارمة في سجنك الذي رسمت قضبانه بنفسك، متأملا أن تحدث معجزة ذات يوم فينتفض الكُتّاب على الناشرين ليطالبوا بحقهم في الترويج للكتاب ولهم، ويتوقفوا عن شغل الدكاكين المضحك الذي يمارسونه والذي أكل عليه الدهر وشرب.

نعم أصدم حين تقدم لي فاتورة من ناشر، وأنا أعرف تماما أن عدد الكتب المتراكمة في مستودعاته تفوق ما هو معروض في رفوف الدار أضعاف الأضعاف، أخجل من ذلك السلوك غير الاحترافي الذي يصطادني كزبون فيما أنا في الحقيقة الوسيط الذي يربطه بزبائنه...! وأكثر من ذلك، أنا التي أمسك بيد الزبون من آخر الدنيا وأدعوه بلطف أن ينسى كل متاعبه المادية في هذا الزمن القاتم ويشتري كتابا.

آه هذا الكلام لا يعجب الناشرين، لأنهم يعتقدون أن «الأوفيس بوي» الغبي كالعين التي لا يجب أن تعلى على الحاجب، وهذا صحيح لأننا العين وهم الحاجب، فما جدوى الحاجب بدون عين إن كنا فعلا نعرف قيمة الأشياء حسب أهميتها؟

أعتذر لكني إن صنّفت تلك الدور حسب نوعية معاملتها لي ولزملائي فلن يبقى من قائمة دور النشر التي سأتعامل معها غير القليل جدا منها، ولعلّي سأكون قمّة في اللطف إن اكتفيت بالكتابة عن أسوأ منشوراتها كطريقة لبِقَة لرد الفاتورة بمثلها...

وبيني وبينكم ليس كافيا أبدا أن نلتقي نحن الكُتّاب والإعلاميين في المقاهي ونُنَكِّت على الناشرين في أحاديثنا، ليس كافيا حتى أن يجتمع الجاحظ وموليير لكتابة سلسلة كاملة عن بخلهم، فبخل البعض فاق مخيلتيهما، لدرجة أن كتبا تصدر ولا نعرف عنها شيئا إلا حين يتصل بنا أصحابها عاتبين بعد أشهر من صدورها، هناك كتب أخرى نكشتفها بعد سنة أو سنتين أو خمس سنوات... من يهتم؟؟؟ النشر عندنا أصبح مهنة غريبة لا تفهم تفاصيلها بالضبط، هل هي نوع من النضال السري لتُبقي منشورات الكاتب في الأقبية والمخازن ولا تخرج للنور إلا في معارض الكتب السنوية، أم أنها نوع من الاستعباد الجديد للكُتّاب والمفكرين، فإما أن يسَوِّقوا لأنفسهم بوسائلهم الخاصة وعلاقاتهم أو يسلموا رقابهم لناشريهم مغمضي العيون كحمار الطاحونة يدور ولا يبرح...!

مؤسف أن تكون هذه هي العلاقة بين صناع الكتب وأهل الأدب وجمهور القراء، وأن تمشي في طريق يستنزف الكاتب ويقتل ملكته الإبداعية ويتعب القارئ حدّ إصابته بالقرف.

على الناشر أن يفهم أن «بضاعته» ليست نوعا من البقالة، وأن زبونه ليس جاره في الحي، ليقصده ساعة يريد، القارئ «بضاعة» أخرى مختلفة، سأفرد لها مقالي القادم، وإلى أن يحين موعده لا بأس أن يفتح «البخلاء الجاحظ» من هذه الفئة محرّك غوغل على معنى كلمة «قارئ» وطرق استقطابه حيا لا ميتا لاقتناء الكتب.