النقطة الأخرى المهمة في رؤية (2030) ما أكده سموه من محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين، وقال بشفافية ووضوح: "الفساد موجود في كل المجتمعات وفي كل الحكومات وبنسب متفاوتة الذي يهمنا اليوم أن نكون في مقدمة الدول في مكافحة الفساد".

هذه الكلمة في غاية الأهمية، وهي ليست كلمة من رجل سياسة واقتصاد فحسب، بل هي أيضاً منطق للشريعة المحكمة، يقول ابن تيمية: (ومما ينبغي أن يعلم أن الله تعالى بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الناس على غاية ما يمكن من الصلاح لا لرفع الفساد بالكلية فإن هذا ممتنع في الطبيعة الإنسانية إذ لا بد فيها من فساد). نستطيع أن نؤكد: "أن الفساد ظاهرة قديمة في فحواها، وحديثة في أساليبها، وأنه مهما تعددت مكونات الفساد وأسبابه فإن نتائجه تصب في وعاء واحد ألا وهو الهدر الاقتصادي للموارد المادية والمالية للمجتمع".

أيضاً خطورة الفساد تكمن في أن كل فساد يصنع فساداً مضاعفاً للأول من خلال هدر مباشر لهذه الأموال، ثم تفويت فرصة استثمارها بأرباح ربما تكون مضاعفة وهو ما يسمى في علم الاقتصاد بــ: "تكلفة الفرصة الضائعة" التي تعني: أنه حين استخدامنا لمواردنا بطريقة ما؛ فإن ذلك يعني تخلينا عن فرصة أخرى.

إذاً أي اقتصاد يريد أن يتقدم، فلا بد أن يتقدم في مكافحة الفساد، وهذا ما أكده سموه بوضوح لا مزيد عليه، ومن أجل ذلك أيضاً: أنشأت الدولة: هيئة مكافحة الفساد. لكن هل تستطيع الهيئة بمفردها أن تقوم بهذا الدور؟ الذي نتفق عليه: أنه لابُدَّ إذا أردنا لها النجاح أن نساهم في اضطلاعها بهذا الدور المهم، وأن نقدم أيضاً المقترحات تلو المقترحات لتفعيل دورها، وأقترح في هذا الصدد أن تلزم كل مؤسسة: (وزارة - هيئة - رئاسة..) بإنشاء لجنة داخلية ترتبط برئيس المؤسسة مباشرة، وليس لها علاقة بالتنفيذيين في تلك المؤسسة، وتقدم رصدها للرئيس، كما تقدم بشكل دوري أعمالها إلى هيئة مكافحة الفساد.. ربما نصل في وقت لاحق عند تفعيل هذا المقترح إلى أن كل مؤسسة هي هيئة مكافحة فساد، وأن الهيئة أصبح دورها تنسيقياً أكثر من كونه فعلياً.

وبإذن الله تكون رؤية (2030) ملهمة للعالم الإسلامي لأنه سيرى فيها نوراً ينطلق من مهد الوحي، ولأنه سيرى في المملكة ظروفاً مشابهة له في الثقافة والاجتماع.