علاقة المملكة بهيئة الأمم المتحدة علاقة قديمة جدًا, وقد كان للمملكة دور وموقف واضح من هذه الهيئة التي يفترض أنها وجدت لتنظيم شؤون المجتمع الدولي وتفرض احترام وهيبة القانون الدولي, وتسعى لإحلال السلام العالمي, وإقامة علاقات الدول على أساس المصلحة المتبادلة والتعايش السلمي

علاقة المملكة بهيئة الأمم المتحدة علاقة قديمة جدًا, وقد كان للمملكة دور وموقف واضح من هذه الهيئة التي يفترض أنها وجدت لتنظيم شؤون المجتمع الدولي وتفرض احترام وهيبة القانون الدولي, وتسعى لإحلال السلام العالمي, وإقامة علاقات الدول على أساس المصلحة المتبادلة والتعايش السلمي.

فللمملكة موقف واضح ومعروف من عصبة الأمم, ورغم أن أجيالًا جديدة لا تعرف هذا الموقف فقد عرضت بعض الدول الكبرى على المملكة الانضمام إلى عصبة الأمم بتخصيص مقعد لها مع الأعضاء المؤسسين إلا أن موقف المملكة من هذا العرض كان هو الرفض لأن ميثاق عصبة الأمم ينص صراحة على استمرار الانتداب على الأراضي العربية ورغمًا عن كون المملكة ـ وقتئذ ـ دولة مستقلة ذات سيادة إلا أنها رفضت الانضمام إلى منظمة يقتضي الانضمام إليها التوقيع على ميثاق ينص على فرض الوصاية على أشقاء عرب وعندما انهارت العصبة بعد الحرب العالمية وقامت منظمة الأمم المتحدة فلم تتردد المملكة في الانضمام إلى المنظمة عضوًا مؤسسًا من الموقعين الأصليين على الميثاق.

ويعود ارتباط المملكة بالمنظمة الدولية إلى مرحلة تأسيسها بل إلى ما قبل تأسيسها, حيث إن الملك عبدالعزيز قد تباحث مع الرئيس فرانكلين روزفلت حول ضرورة قيام منظمة دولية تضم شعوب العالم المستقلة لتجنيب العالم المرور مرة أخرى بتجربة بمثل قسوة ومرارة الحرب العالمية التي كان العالم خارجًا لتوه من أتونها, تمت هذه المباحثات في اللقاء التاريخي المعروف بين الملك عبدالعزيز والرئيس الأميركي في مارس 1945م.

وعندما بدأت الترتيبات لقيام المنظمة والمشاورات حول ميثاقها سجلت المملكة حضورها جنبًا إلى جنب مع دول العالم المستقلة في ذلك الحين وعندما تم توقيع الميثاق في 26 يونيو 1945م كانت المملكة ممثلة في الأمير فيصل بن عبدالعزيز (الملك فيصل) والأمير فهد بن عبدالعزيز (الملك فهد) حيث وقع الأمير فيصل بن عبدالعزيز على الميثاق.

فالمملكة تؤمن بالاعتدال والاستقلالية في الرأي والتعامل على قدم المساواة بين جميع الدول وقد برز ذلك في الكلمة التي ألقاها الأمير فيصل بن عبدالعزيز (الملك فيصل) حيث قال: إن الميثاق بلا ريب يمثل أفضل وثيقة أسفرت عنها جهود شعوب تمثل خمسين قطرًا مستقلًا عانت كلها أو أغلبها في نضالها من أجل الحرية ودفاعها عن الإنسانية ضد الاستغلال والاستعباد, غير أن هذا الميثاق يشتمل على بعض أوجه النقص أخص منها حق الفيتو الذي منحه الميثاق للدول الكبرى وأراه متعارضًا مع أهداف المنظمة, ومضى قائلًا: لنعمل جميعًا على تطبيق هذه القيم التي كتبناها على الورق ولنضع من الآن وإلى الأبد إن شاء الله حدًا للأنانية والطمع والعدوان والطغيان والتسلط وليكن هذا الميثاق أساسًا نشيد عليه عالمنا الجديد وليكن أفضل من واقعنا اليوم.

هذه الكلمات تمثل رأيًا وموقفًا في المنظمة العالمية ما زالت المملكة حريصة عليه في ممارساتها ومواقفها الدولية موقفًا يتمثل في احترام السيادة الوطنية للدول الأخرى والتمسك بالاستقلال الوطني والسياسي للمملكة.

وبالإضافة إلى هذا الموقف السياسي المعلن فإن ممارسة المملكة منذ توقيعها على ميثاق المنظمة كانت دائمًا دليلًا على صدقها والتزامها بكلمتها وإتباعها القول بالعمل.

وهذا العام تبلغ منظمة الأمم المتحدة الثانية والسبعين من عمر مليء بالأحداث والمشاكل والآمال التي عقدتها أمم العالم على منظمة قصد بها أساسًا إحلال السلام والتعاون محل الحرب والعدوان بين أقطار الأرض.

وقد لا يبعث سجل الأمم المتحدة على الأمل أو على الأقل قد يكون تاريخ العلاقات بين الدول غير مشجع على الإسراف في الأمل أو الإفراط في الثقة بما تستطيع هذه المنظمة أن تقوم به في حياة المجتمع الدولي.

فالأزمة التي تعيشها الأمم المتحدة اليوم تتمثل في وجود هوة بين الالتزام بالميثاق والمبادئ العادلة وبين السلوك الملتوي للمنظمة وقد عرّض ذلك السلوك مصداقية هيئة الأمم المتحدة إلى الاهتزاز.

ولذلك فإن المجتمع العربي ومعه المجتمع الإسلامي يبدون شعورًا بالتشاؤم وخيبة الأمل نحو تصرف الأمم المتحدة حيال الأزمة اليمنية وقد أيقن المجتمع العربي بأن هيئة الأمم المتحدة ليست سوى انعكاس لسياسات متناقضة أثبتت عدم فاعليتها في حفظ السلام وحل المنازعات الدولية بعد أن أصبحت أداة من ادوات السياسة الخارجية للدول الكبرى مما يلقي بشكوك حادة على مدى نزاهة وإنصاف وحياد هيئة الأمم المتحدة بسبب نظرتها الانتقائية للدول وتحيزها وضعف مصداقيتها.

صور كثيرة تعطينا انطباعًا واضحًا لهيئة الأمم المتحدة أبرزها هو تكليف شخصيات سياسية فاشلة بمتابعة القضايا العربية والإسلامية وهذا ما حدث في أزمة اليمن من اعتمادها على تقارير مغلوطة يبنى عليها قرارات ظالمة ضد دول التحالف العربي الذي جاء بمطلب من الحكومة اليمنية لاستعادة الشرعية المستلبة من جماعات الحوثي والمخلوع صالح وتعامل المنظمة مع الجماعة المنقلبة على الشرعية بصورة تخالف ما تحاول أن تظهره للعام والنظر إليهم ككيان سياسي ومساواتهم بالشرعية اليمنية وذلك بالسماح لهم بالتفاوض حول مستقبل اليمن فالأمم المتحدة لا تستقي معلوماتها من حكومة اليمن الشرعية وإنما من المؤسسات التابعة للحوثيين والمخلوع صالح ما يؤكد استمرار الأمم المتحدة في مساعيها الخاصة بإجهاض وتعقيد قضايا اليمن وهي صورة تعطينا شعورًا واضحًا بانحياز الأمم المتحدة الكامل ضد الشرعية اليمنية ولذلك جاء تقريرها مليئًا بالاتهامات والمغالطات الظالمة.

فليست المشكلة أن الأمم المتحدة فقدت مصداقيتها في قضايانا فهي لم تصنع لنفسها هذه المصداقية ابتداءً فقد كانت من البداية ساحة انحياز وأداة دولية مريبة لا يتلاءم سلوكها مع ميثاقها ولا يبعث سلوكها على الثقة بها والاطمئنان إلى نزاهتها وهذا ما شهدته البلقان وتركستان الشرقية وكشمير والصومال وهاييتي وقبل ذلك قضية فلسطين تتداول ملفاتها داخل أروقة الأمم المتحدة منذ أكثر من ستين عامًا دون أن تقدم الأمم المتحدة أو تؤخر في أمرها شيئًا سوى قرارات هزيلة.

كذلك قضية قبرص تتداول ملفاتها في أروقة الأمم المتحدة ما يزيد على عشرين عامًا والقضية الأفغانية والصومال وكشمير وبورما..

ولذلك فمن المنهجية الموضوعية أن نقول إن الأمم المتحدة أوجدت في الأصل لتكون أداة للسيطرة عالميًا وليس كما كانت الفكرة تزعم أنها لخدمة البشرية ولضمان السلام والأمن في أنحاء العالم بأكمله ومن هنا بدأ ترسيخ مبدأ الحق للأقوى واعتبار التسليم بذلك هو من الواقعية بالنسبة إلى الطرف الأضعف.

ولذلك فانتظار دور فاعل من الأمم المتحدة يقيم العدل هو لون من السراب.