النقاش حول المعلم من حيث الإعداد ومستوى الأداء والتطوير والتأثير في شخصية الطالب علمياً وتربوياً هو نقاش صحي بالغ الأهمية مهما تكرر بشكل موسمي لأن تكرار الحديث عن هذا الموضوع يعبر عن وعي وإدراك بوجود جوانب كثيرة لا تزال بحاجة إلى التطوير.

يفقد هذا النقاش أهميته وتأثيره عندما يتحول إلى سجال بين انتقادات قاسية تعمم على الجميع، ودفاع عاطفي يدافع عن الجميع.

المؤمل أن يتعامل المعلم مع قرارات التغيير بالرأي العلمي وليس بردود الأفعال الانفعالية التي تبتعد عن الموضوعية وتقترب من توجيه الاتهامات للمسؤول بأنه عدو للمعلمين..

إن مسؤولية المعلم الكبيرة والرسالة التي يقوم بها والجهود التي يبذلها في التعليم والتربية تجعل المعلم يستحق أن يعمل في بيئة مدرسية تساعد على تحقيق الأهداف، كما يستحق الحوافز المادية والمعنوية والمكانة الاجتماعية اللائقة. في مقابل ذلك لابد من معايير قوية في قبول المعلم وإعداده وتقييم أدائه واستمراره.

تطوير التعليم منظومة شاملة أهم محور فيها هو المعلم ولن يضعف دور المعلم ومسؤوليته مهما بلغ مستوى التقنية. هذه المكانة للمعلم لا تجعله بمنأى عن النقد، بل يفترض أن تجعله مؤهلاً للتكيف مع التطوير المستمر والمشاركة في صنع التغيير.

الملاحظ في السنوات الأخيرة أن مشروع تطوير التعليم يواجه في معظم الحالات بعدم الرضا من العاملين في الميدان. هذا الموقف المقاوم للتغيير أمر طبيعي يحصل في كل المنظمات. الأمر غير الطبيعي هو الفجوة العاطفية بين جهاز الوزارة وبين المعلمين، وتكون شعور لدى المعلمين -عبر سنوات- بأن الوزارة لا تدعمهم بل تقف ضدهم. ولهذا يكون من الصعب تقبل قرارات التغيير بوجود تلك المشاعر. من هنا نكون أمام سؤال كبير وهو: ما الرضا الوظيفي بالنسبة للمعلم؟ ويتفرع عن ذلك أسئلة أخرى منها: هل فعلاً توجد مقاومة للتغيير أم عدم مشاركة في إحداث التغيير؟ هل توجد ثقافة تنظيمية للوزارة متفق عليها ومعروفة للجميع وخاصة المعلمين تتضمن رؤية الوزارة المستقبلية؟ هل العاملون في الميدان (مدير مدرسة، معلم، مشرف.. إلخ) يشاركون في إعداد خطط وبرامج التطوير أم يقومون بالتنفيذ وإن لم تتوفر القناعة؟ ألا توجد تجارب دولية ناجحة في تطوير التعليم يمكن تطبيقها في أي بلد؟ هل يمكن الاعتراض على أن التعليم يعاني من أسلوب الحفظ من أجل اجتياز الاختبار؟ هل تركز أساليب التربية على التعليمات والتوجيهات والأوامر أم على أساليب عملية تساهم في بناء شخصية الطالب بطريقة غير مباشرة؟ هل المدرسة بيئة جاذبة وهل علاقة الطالب بها علاقة ودية، وما دور المعلم في ذلك؟

إذا كانت تلك الأسئلة تعكس وجود حاجة للمراجعة والتقييم والتطوير كونها تطرح باستمرار منذ عقود وبالتالي فهي لا تصدر من فراغ، إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نتعامل مع أفكار وبرامج التطوير بطريقة علمية؟ والسؤال موجه للمعلم بالدرجة الأولى. المؤمل أن يتعامل المعلم مع قرارات التغيير بالرأي العلمي وليس بردود الأفعال الانفعالية التي تبتعد عن الموضوعية وتقترب من توجيه الاتهامات للمسؤول بأنه عدو للمعلمين. هذا الوضع يتكرر كلما ظهرت أفكار جديدة لتطوير التعليم حيث يفسرها بعض المعلمين بأنها عبء جديد لا يتفق مع المميزات التي يحصل عليها المعلم!

إن رضا المعلمين أمر مهم لأنه سينعكس إيجابياً على الأداء ولكن المنطلق يجب أن يكون منطلق الحقوق والواجبات وأن تكون الجودة هي الهدف، وبالتالي فإن المعلم يستحق أن توفر له الظروف التي تحفز على الإبداع، وفي نفس الوقت فإن المعلم القدوة الواثق من نفسه المخلص في عمله لا ينتظر المميزات والمكافآت لكي يؤدي عمله بإتقان، كما أنه لا ينتظر الدعوة للمشاركة والتطوير بل يبادر في تقديم الأفكار والمقترحات، وأكثر من ذلك يملك الثقة لتطبيق أساليب جديدة دون انتظار التعليمات. يضاف إلى ذلك أن حواره مع المسؤولين هو حوار علمي هدفه التطوير وليس تبادل الانتقادات والتركيز على السلبيات.

إن تطوير أداء المعلم هدف استراتيجي ولا بد من مشاركة المعلم في تحقيق هذا الهدف. وهذا يتطلب تقوية العلاقة الفكرية والإدارية بين جهاز الوزارة وبين الميدان. المشاركة مبدأ فعال في التخفيف من مقاومة التغيير. من المهم تعزيز تطبيق هذا المبدأ وتوسيع نطاقه حتى يكون الجميع في قارب واحد نحو رؤية مشتركة شارك المعلم في صياغتها ويشارك بكل حماس وإخلاص في تحقيقها. يحضرني في هذا المقام تجربة في المشاركة نفذها الأستاذ عبدالرحمن الروساء مدير عام التربية والتعليم السابق بمنطقة الحدود الشمالية، في هذه التجربة تم استطلاع شريحة كبيرة شملت المشرفين والمديرين والطلاب والمعلمين والمرشدين وأولياء الأمور والمجتمع من أجل التوصل إلى قرار يحدد ساعات بدء الدراسة في الصيف والشتاء للبنين والبنات، كان عدد المشاركين 3700، وقد تم إقرار رأي الأغلبية بحيث يكون هناك فرق ربع ساعة بين البنين والبنات. التجربة قد تكون بسيطة ولكنها مثال على أهمية المشاركة والتكيف مع قرارات الوزارة بما يناسب ظروف المنطقة.

وأخيراً فإن تقييم أداء المعلم لا يكون بالانطباعات بل يجب أن تقوم به المؤسسات المختصة، ومراكز الأبحاث. ومن المهم استثمار الجامعات لتقوم بدورها في التقييم والتطوير.