حين رأى ذلك الشيخ المسن ما نمارس من إسراف في المأكل والماء والطاقة هز رأسه ثم قال: لو مرّ عليكم بعض ما مرّ على من قبلكم من جوع وحاجة ما كانت هذه تصرفاتكم، لقد أخرجني الجوع من قريتي، كان الناس يعتمدون على ما تجود به السماء، تمر أعوام يشح فيها المطر فتموت المواشي والأشجار ولا نجد ما نأكل، لقد سبق وسافرت أكثر من مرة بحثاً عن الرزق في الكويت وفي العراق وركبت البحر إلى الهند أكثر من مرة، لقد كنت أقضي على ظهر السفينة شهراً كاملاً لا أنام في الليل سوى سويعات قليلة، وبعد عام أو عامين أعود إلى قريتي كما يعود الوافدون إلى ديارهم هذه الأيام.

تذكرت حديث هذا الشيخ وأنا أقرأ وأشاهد ما يحدث من تبذير وقلة مبالاة في ما نملك من ثروات ناضبة ليست لنا وحدنا لكنها لكل الأجيال التي ستأتي بعدنا، الاستهلاك المفرط طال كل شيء، بدءاً بالاستهلاك الهائل للوقود والماء وانتهاء بالحياة البيئية والفطرية، أحد الأصدقاء يقول: ذهبت أنا وإخوتي الأربعة إلى مناسبة عزاء على بعد ساعتين من مدينة الرياض، أخذ كل منا سيارته ووصلنا هناك في أوقات متقاربة وعدنا إلى الرياض في نفس الوقت تقريباً، كل منا خرج من بيته ولم يكلف نفسه عناء التنسيق لنوفر الوقود والصحة وتقليل احتمال الحوادث، ونفس الشيء ينطبق على سوء استخدام الماء والرعي الجائر والاحتطاب وتدمير البيئة والحياة الفطرية.

المملكة حباها الله خيرات كثيرة في باطن الأرض وخارجها لكن هذه الخيرات بحاجة إلى ترشيد وحسن تدبير ووعي بأوجه التوفير والاقتصاد في الطاقة والتحول تدريجياً إلى الطاقة المتجددة وهذا يتطلب أمورا كثيرة من أهمها:

أولاً. أكثر المستفيدين من دعم أسعار الطاقة هم الأغنياء، ولرفع الدعم تدريجياً لا بد من تفعيل حساب المواطن لتقليل آثارها على مستوى المعيشة لدى أصحاب الدخل الضعيف والمتوسط، وكل زيادة في دخل هذه الأسر يعني الحياة الكريمة والمزيد من تدوير المال داخل الوطن، كما أن خلق المزيد من الوظائف في القطاع الخاص للرجال والنساء سيضيف للأسرة دخلا إضافيا يساعد على مواجهة أعباء الحياة وهذا يتطلب حزماً ومراقبة للمتسترين الذين يفتحون عشرات المحلات باسم مواطن يحصل مقابل ذلك على مبلغ زهيد من المال، ومن السهولة كشف ممارسات التستر عن طريق مؤسسة النقد والمباحث الإدارية ووزارة التجارة وتعاون المواطنين.

ثانياً. رفع أسعار الطاقة إلى مستوى الدول المجاورة سيحقق فوائد كثيرة منها منع تهريب الوقود إلى تلك الدول، إضافة إلى تقليل عدد السيارات في الشوارع وعلى الطرق السريعة، كما سيقلل من الأعداد الكبيرة لضحايا الطرق والإعاقات. حين فُرض حظر الوقود على الولايات المتحدة الأميركية في عام 73 تضاعفت أسعار الوقود، وصدر قانون اتحادي يحدد السرعة بـ55 ميلا على الطرق السريعة أي 88 كيلو مترا في الساعة، سألت خبيراً في هذا المجال: هل وفرتم في استهلاك الوقود؟ أجاب: بكل تأكيد فاستهلاك الوقود في تناسب طردي مع السرعة العالية، ولم تكن الفائدة في توفير الوقود فقط، لكن وفرنا آلاف الأرواح والإعاقات الدائمة بسبب حوادث الطرق، وقللنا المزيد من الأضرار على البيئة، وأصبحت السيارة الاقتصادية في الوقود هي المفضلة.

ثالثاً. الوعي بوسائل توفير الوقود والكهرباء والماء مهم قبل وأثناء تطبيق التصحيح التدريجي لأسعار الطاقة. يجب أن يسبق ذلك حملة في الإعلام بكل قنواته، وفي خطب الجمعة للحث على التوفير ومنع الإسراف والعبث بالبيئة، كما أن سرعة توفير البدائل بأسعار مناسبة كالطاقة الشمسية، والتوعية بأضرار بناء بيوت واسعة نصف غرفها شبه معطل، فالتوفير في مساحة المباني سيوفر الطاقة والأيدي العاملة التي أصبحت الشغل الشاغل للأسر.

التحول إلى دولة عصرية ترتقي فيها الخدمات وتتعدد مصادر الدخل يحتم وجود إصلاحات مستمرة في كل المجالات يشارك فيها المواطن ويتفاعل معها. كما أن تقليل الهدر والفساد في الوزارات وشركات القطاع العام والخاص سيقلل تكلفة الطاقة ويرتقي بالخدمات المقدمة للمواطن وخاصة في مجال التعليم والصحة وتوفير المساكن، وخلق المزيد من الوظائف المجدية، وهذا هو أهم ما يشغل بال المواطن.