نوه د. أحمد الشهري -محلل سياسي وخبير إستراتيجي- بنجاح الزيارة التاريخية التي قام بها خادم الحرمين لروسيا منوها بتاريخ العلاقات السعودية الروسية المتميز، وأوضح في حديثه لـ "الرياض" عن الزيارة أنه في عام 1926م اعترف الاتحاد السوفيتي بالدولة الناشئة المملكة العربية السعودية على يد مؤسسها الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن -طيب الله ثراه- ورجاله الأوفياء، ومنذ ذلك الوقت والعلاقات السعودية الروسية قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، ولم يذكر أن روسيا تدخلت في الشأن الداخلي السعودي كما لم تتدخل المملكة في الشأن الروسي وهذا ما أعطى العلاقة بين البلدين عمقاً إستراتيجياً وشكلاً متوازناً في العلاقات البينية والدولية من خلال المواقف المشتركة والموحدة تجاه معظم القضايا السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وقال: إنه وخلال هذه العقود توالت الزيارات البينية بين المسؤولين في البلدين حيث زار رئيس الوزراء الروسي السعودية ضمن جولة خليجية عام 1994م، وتم التوقيع على عدد من الاتفاقيات في مجال الاقتصاد والتقنية والتجارة، وفي عام 2003 م زار الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- عندما كان ولياً للعهد موسكو، وحظي باستقبال مميز يعكس رغبة البلدين في تعميق العلاقة، حيث وقعت عدد من الاتفاقيات في مجال الغاز والنفط والتكنولوجيا.

أما في عام 2007 فقد زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المملكة مع وفد رفيع من رجال الأعمال والاقتصاد وتم التعاون في مجال الفضاء والطاقة والتكنولوجيا الذرية، وتوقيع عدد من الاتفاقيات في المجال العسكري، وتوالت الزيارات من قبل المسؤولين في البلدين توجت بزيارة ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان عام 2015م والتي فتحت آفاقاً للتعاون البناء في شتى المجالات ومهدت الطريق للتحول في العلاقة بين البلدين إلى شراكة إستراتيجية تقوم على أساس التعاون المثمر البناء الذي يسعى لنقل الخبرات والتقنية الروسية في مجال الطاقة المتجددة والفضاء والطاقة الذرية والصناعات العسكرية والتعاون الثقافي والبيئي، وهذا ما جعل زيارة خادم الحرمين الشريفين تأتي تتويجاً لهذا التوجه من البلدين نحو إيجاد تكتل إستراتيجي يخدم مصالح البلدين لا سيما وأن روسيا هي القطب الثاني في مجلس الأمن وصاحبة الفيتو فيه، كذلك تعد هذه الدولة أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، وأكبر مصدر للنفط من خارج أوبك، وأمام كل هذه المعطيات تأتي زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله- لتضع حجر الأساس لبدء مرحلة جديدة وتاريخية ومفصلية في العلاقات الروسية السعودية نحو بناء شراكة وتعاون إستراتيجي مثمر.

ولخص الشهري أبعاد هذه الزيارة على مختلف الأصعدة منها البعد السياسي؛ حيث نعلم ما عانى العالم بأكمله والعالم العربي من تقلبات جيوسياسية وصراعات أثرت على مسيرته وعلاقاته، فهذه أربع دول عربية لا زالت تئن من نير الحروب والتمزق الذي جاء بفعل المؤامرات الدولية التي كانت إيران ومن يدور في فلكها من الدول والمنظمات طرفاً فيها، أيضاً كانت للسياسة الأميركية المنكفئة المتخاذلة منذ 2014م، ومع قدوم أوباما للبيت الأبيض أميركا فقدت دورها كدولة عظمى ترعى الأمن والسلام العالميين بل كان تدخلها في هذه الصراعات سلبياً ولا يرقى إلى مكانة دولة عظمى، ففي العراق كان التوجه لدعم النفوذ الإيراني وفي سوريا كذلك اتبعت سياسة غض الطرف والكيل بمكيالين دون اتخاذ موقف حاسم، كذلك أبرمت اتفاقاً نووياً هزيلاً مع إيران يجعلها دولة نووية بعد عقد من الزمن، ولا ننسى سياسة الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الجديد الذي كانت السياسة الأميركية لاعباً فيه وما نتج عنها من صراعات وثورات لم تجن منها الشعوب إلا الدمار والهلاك.

وعبر هذا المشهد كان الموقف الروسي متأرجحاً أو محايداً إلا عندما بدأت الثورة السورية انضمت روسيا طرفاً فاعلاً في الصراع، وهذا الموقف الروسي في الأزمة السورية أثر على سير عدد من الملفات التي كانت حاضرة في العلاقات الروسية السعودية في المجال الاقتصادي والصناعي والتجاري.

ويعتقد الشهري، أن خلط الملفات جميعها ووضعها في سلة واحدة ربما لم يكن موفقاً حيث يفترض أن يكون لكل ملف مسار خاص به بحيث إذا تعرض مسار أو ملف لصعوبات أو مشاكل يجب أن تبقى بقية المسارات والملفات في عملها وفق ما خطط لها، وهذا حسب توقعاتي أنه سيؤخذ به من خلال زيارة خادم الحرمين الشريفين حيث سيتم التركيز على المشتركات التي تربط المملكة بروسيا وهي متعددة ومتنوعة وتترك الملفات المختلف فيها وهي محدودة جداً على طاولة البحث لمواصلة البحث عن الحلول الناجحة.