لا يتورع البعض عن الكذب والتأليف.. ومن ثم توظيف كذبتهم بترويجها والسعي إلى تحويلها لحقيقة كاذبة، في ذلك سيجدون الكثيرين ممن يساعدونهم على هذا الترويج والتحرك به لأسرع ما يمكن خاصة في ظل توفر وسائل التواصل الاجتماعي التي تساعد على النشر بسرعة بصرف النظر إن كان ذلك صحيحاً أو كذباً.

يعرّف الخبر بأنه صناعة ولكن هذه الصناعة تختلف من مصدر إلى آخر فهناك خبر حقيقي وُظف بطريقة سيئة ووصل بطريقة عكسية.. والخبر إيجابي وكان يفترض أن يحقق أهدافه لكن طريقة التعامل معه وتوظيفه أساءت إليه ووصل بطريقة معاكسة ولم يفهم الهدف منه.. ولم يهتم به أحد أو يتوقف أمامه رغم أهميته.. وبدا وكأن أحداً يحاول التعتيم عليه.. أو له مصلحة بأن يمرّ مرور الكرام في صمت وعدم تنبه له.. ولذلك نسمع أحياناً من يقول: هل تذكر الخبر الفلاني؟ وعندما تجيبه بالنفي.. يسترسل في شرحه ويقول إنه يستغرب عدم اهتمام الناس به أو توقفهم عنده أو تفصيله لأهميته.. وقد يزيدك بقوله: إن هناك من له مصلحة في تغييب الخبر وعدم وصوله إلى الناس.

وهناك خبر كاذب وظفه صاحبه بطريقة جيدة وعمل على إيصاله للآخرين بشتى الطرق مستخدماً ذكاءه.. وألاعيبه وحد أقصى من الوقاحة والالتزام بعدم الخطأ.. مستغلاً طيبة البعض وعدم معرفتهم لأصول الكذب أو تعاطيهم معه، فمثلاً يحدثك شخص بقصة أو حكاية تظل منصتاً لها ولا تشعر نحو ذلك الشخص بأدنى إحساس بأنه يكذب يعيد ويزيد في التفاصيل وأنت تسمع.. وتتنبه بعدها لأحدهم يوقظك من سبات الاستماع بعبارة "عدي" أو اقلبي الصفحة.. أو لا تكوني بلهاء تصدقين كل شيء وتعتقدين أنه حقيقة، حصل معي منذ فترة لسيدة أحترمها وكنا في جلسة وظلت تتحدث وتحكي وأنا منصتة حكايات عجيبة وبعد أن انتهت قالت لي صديقتي: عسى ماصدقتي، فقلت لها: أكيد هذه فلانة، قالت لي بمزح كعادتها: مش معقول كاتبة وتبيعي الكلام وتصدقي فلانة، نسمعها من سنين ونعدي، توقفت مع نفسي مستغربة قدرتها على إيصال الخبر والقصة وتسويقها والحقيقة أنها بارعة جداً وذكية في تسريب الكذب بلياقة وشياكة، ورغم أنني تحللت مما سمعته ظل غيري ممن لا يعرفونها يصدقون ما تقول.

في الحياة اليومية طفلان يتعاركان أو شخصان الشاطر من يسبق بنقل خبر هو المستفيد منه وأنت سوف تصدق، وهنا الشطارة والقدرة على التآثير، في المقابل الحقيقة تكون مع الشخص الآخر المظلوم الذي يصل متأخراً وبالتأكيد سرده سيظل متأثراً بالوصول الأول ولذلك يقال: "لا تحكم على شخص قبل أن تسمع الآخر.. فمن جاءك يشتكي أن عينه قد فقئت فلربما الآخر فقئت عيناه الاثنتين.

وعلى مستوى الأخبار العامة الكاذبة ما عليك إلا متابعة وسائل التواصل وستدهشك كم الأخبار الكاذبة والهاشتاقات المظللة التي يسربها المستفيدون من وصولها للناس؛ لأنهم يعرفون أن الكذب سريع الوصول والحقيقة تصل كالسلحفاة، ولذلك هم نشطاء في نشر الأخبار الكاذبة كمستفيدين خاصيين أو مرتزقة.

وأخيراً لا تتغير المفاهيم حول الكذب والحقيقة، فالكذب يركض كأنه في ماراثون لا يتوقف، والحقيقة تمشي على استحياء ولا تتغير هذه المفاهيم بتغير الأزمنة والأمكنة.