ليس سهلا على جيل اليوم أن يفهم حكايات أبطال العصور الغابرة، يبدو له الأمر مملا، ولا يعنيه، كأن نحكي له قصة عنترة وعبلة، مع ذلك الكم الهائل من شعر الفروسية والحب العذري وهو يقول «ولقد ذكرتك والرماح نواهل، مني وبيض الهند تقطر من دمي».

فلا مشهد في رؤوس أبنائنا اليوم أجمل من مشاهد «غايم أوف ثرون» بالصورة والصوت والإتقان في الإخراج وفي إدهاش المشاهد بمعارك السيوف والرماح والدسائس والخيانات والخسارات والانتصارات.

لا مكان لحكاية فارس الشعر العربي الذي خاض معارك مشابهة في القرن السادس ميلادي، ذلك أن مخيلتنا توقفت عند حدود ما نقلته قصائده ودارسو شعره وشعر الحقبة التي عاش فيها، حتى بهتت صورته وغابت في قاموس الكلمات الصعبة التي لم نعد نستعملها والتي شاع بها شعره.

كالماء الرّاكد الذي يتعفّن شيئا حتى يجف موضعه، هذا مصير كل تراث لا تلامسه أفكار التجديد، وهذا مصير شعر عنترة وجزء كبير من تاريخ الجزيرة العربية آنذاك.

لكنّ الصدف شاءت أن يكون للفن طريقة جميلة لإخراج عنترة من نفائس الكتب القديمة، وتلافيف الماضي السحيق ويحمله من زمنه إلى زمننا، ويمنحه فرصة للتعريف بنفسه بما يناسب حياتنا المعاصرة. وهذا ما فعله الرسام والكاريكاتوريست حسن إدلبي في معرضه الأخير بالشارقة، من خلال أربعين لوحة برؤية جديدة لسيد الفرسان عنترة بن شداد، وسيد شعراء الغزل العفيف.

وحسن إدلبي من الفنانين المميزين جدا، ليس فقط بريشته، بل بتفكيره، وبطريقته السّاحرة في سرد الحكايات، له قدرة عجيبة على سرد أية حادثة مهما كانت بلا قيمة بطريقة تشد المستمع وتجعله يرى مواضع الأهمية فيها، يفعل ذلك بلغته الكاريكاتورية التي لا يملكها أحد، إنّها بصمته الفريدة التي تميزه، إنه «الكاريكاتوريست – الحكواتي» ولا أدري هل يصلح أن أطلق عليه لقب «الكاريكاواتي» لأنه سيد الحكاية بموضوعات لوحاته بكل أنواعها، فقد منحه الله موهبة الرسم بكل المواد الممكنة، وتطويع اللغة لإبداع الحكاية. وهو لا يتوقف عن ابتكار أشياء جديدة تبهرنا تماما كفكرة معرضه الأخير مع توأم روحه زوجته الفنانة وفاء شرف «عنتر وعبلة» في تعاون منتج وراقٍ يؤكد نجاح مؤسسة الزواج حين تكون الخيارات جيدة.

لوحات فيها من الجمال والطرافة والمحتوى التراثي المعصرن ما يجعلنا نقف أمام نسخة جديدة من قصة «عنتر وعبلة» بتفاصيل عشقية معاصرة لم تغير جوهرها وتستمر منذ تلك الأيام الغابرة، إلى يومنا هذا، لن يتخلى عنترة عن فرسه وسيفه لكنه سيملك مقتنيات عصرنا مثل الهاتف المحمول ولسوف يأخذ سيلفي مع عبلة، ويسافران في رحلة إلى باريس، وأخرى إلى نيويورك، ويحلقان عبر عواصم العالم كأي سائحين، غير رحلتهما الزمنية العجيبة من القرن السادس للقرن الواحد والعشرين عبر آلة زمنية عجيبة اسمها «مخيلة حسن إدلبي».

معرض من أكثر من أربعين لوحة يحتاج لقراءة أعمق، ولقول الكثير بشأن التوجه الفني لحسن، لكنه حتما بوّابة ذكية لعصرنة تراثنا دون إفراغه من روحه، وتقريبه من الأجيال الجديدة، لفهم الحالة التي يعيشونها في زمن العولمة وهم متربعون على قمة الزمن متناسين جذورهم الممتدة إلى زمن عنترة.