في السِّيَر الذاتية العميقة وقراءتها فوائد جمّة، فهي فرصة سانحة للتواصل مع العظماء في حقول تخصصهم واستيعاب بهاء وألق وعُمق أثر حضورهم، وتعميق للتجارب وصقل لها.

من تلك السّير الذاتية المثرية، كتاب «عين النقد» لشيخ النُقّاد الدكتور صلاح فضل، وهو عبارة عن سيرة فكرية رصينة استقطر فيها الكاتب خلاصة تجربته ومسيرته الفكرية التي تجاوزت نصف قرن من العطاء والإبداع في ميدان الثقافة والنقد خصوصاً.

ورغم تشعُّب وثراء هذه السيرة إلاّ أنّني سأستلّ منها ما يتعلّق بالثبات على المبدأ واستقلالية المثقف والناقد وعدم خضوعه للتأدلج صوناً لمبادئه ونأياً بها عن أي تأثير قد ينعكس على تلك الاستقلالية، وهو ما كبّده -كما يروي- متاعب جمّة فضلاً عن حرمانه من مناصب ثقافية كان يُرشّح لها ذوو الخبرة والأسماء اللامعة شريطة قابليتهم للتجنيد السلطوي وبراءتهم من اتخاذ مواقف نقدية مستقلّة.

موقف آخر أكثر دلالة وأبعد زمناً بطله الأديب والناقد الكبير الدكتور زكي مبارك المعروف بمواقفه الصلبة وبمناكفاته ومعاركه الأدبية لعظماء عصره كأحمد شوقي والعقاد والرافعي والمازني وغيرهم. وملخّص هذا الموقف كما ورد في كتاب «أحمد شوقي» يذكر المؤلّف أن أحمد شوقي طلب من زكي مبارك مقدّمة للشوقيات، واعتذر زكي مبارك عن كتابة المقدمة لأن المقدّمات -حسبما يرى- يراعى فيها التلطُّف ويقول مبارك إنه التقى بعد ذلك بالدكتور طه حسين وكان جاره في مصر الجديدة، وقصّ عليه ما دار بينه وبين أحمد شوقي فقال طه حسين: لو طلب شوقي منّي ما طلب منك -وأنا خصمه- لاستجبت بلا تردّد، فشوقي في رأيي هو أعظم شاعر عرفته اللغة العربية بعد المتنبّي فقلت: (إنّي أرى أنه أشعر من المتنبي).

فقال الدكتور طه حسين: ما دام هذا رأيك فما الذي يمنع من أن تكتب المقدمة؟؟

فقال: لأحتفظ بحقّي في نقده حين يخطئ. لم تنته القصة عند هذا الحدّ فبعد أيام أهدى شوقي زكي مبارك ما طبع من الجزء الأول من الشوقيات مُصحَّحاً بخط شوقي الجميل فيقول مبارك: ورجعت إلى نفسي فتذكّرت أن المقدّمات يلزم فيها الرفُّق والترقُّق، وذلك ما يجمل بكاتب مشغول بالنقد الأدبي مع شاعر لا يزال في الميدان، وأسرعت فكتبت خطباً قلت فيه: (إني لا أستطيع كتابة المقدمة التي ينتظرها أمير الشعراء، لأنّي أخشى أن أقول فيها كلاماً يصدُّني عن نقده إن رأيتُ في أشعاره المقبلة ما يوجب الانتقاد، وهو -بارك الله في عمره- لا يكفُّ عن مساورة الشِّعر والخيال في صباحٍ أو مساء) .

هكذا كانت المواقف الأدبية الشامخة المجلَّلة بكبرياء المثقّف واعتداده بعُدّته المعرفية وذخائره العلمية، فلا مداهنة في الأدب ولا معاضدة مجانيّة لأسماء باهتة، ولا أيضاً نفخ في نصوص ضامرة لا روح فيها ولا جمالاً.