يتخيل أحدهم أن هذا المجتمع ملكه.. وأنه لابد أن يطرح عليهم طريقة تفكيره ليستنسخها الآخرون.. لأنه يعتقد أنها الأنسب لهم ولا بد أن تعمم.. يطرح هويته دون أن يترك لك الحكم فهو يكون قد استصدر الحكم بأنه الأفضل وبأن مايقوله أو يفعله هو مايليق بالمجتمع.. وينبغي على الجميع تطبيقه.. دون أن يكون هذا الشخص يمتلك هوية مجتمعية أو اعتبارية أو حتى أهمية تخوله لذلك.. فقط هو ينطلق من مضمار غرام الميديا ووسائل التواصل الاجتماعي التي فتحت الباب على مصراعيه لكل من هب ودب ليقول رأيه..

ولا يعتقد أحد أنني ضد الاختلاف.. أو مع الرؤية الأحادية.. أو سيطرة الفكر الواحد.. أو ضد أن يطرح أحد رأيه ومصادرة هذا الرأي.. فالاختلاف هو من يشكّل الوجه المشرق للمجتمعات المتحضرة.. وهو من يخلق التميز وفتح النقاش للقضايا وقراءة الآراء المختلفة والناضجة وغير المسيسة والتي تصب في مصلحة الفكرة المطروحة أو مايعني المجتمع الذي تعيش فيه.. وبدون سماع وجهات النظر الآخر تبقى مغيّباً عن الفهم وعن معرفة مايجري..!

لك الحق أن تعترض وتعبر عن رأيك لمالم يعجبك أو مايطرح ولم يكن على هواك.. ولكن بطريقة محترمة وألفاظ مهذبة.. وفوق ذلك فهم للموضوع ووعي لتفاصيله.. وليس ركضا خلف تسجيل صوتي يتداول في اليوتيوب أو تويتر يتناقلها الناس بسرعة كالنار في الهشيم.. وبمفردات تافهة وعنصرية ودموية ولا إنسانية وتوعد دون أن تكون تعرف ماتهرف به وعاقبته.. معتقداً أن ذلك حق من حقوقك وأنك حرّ تقول ماتشاء وقتما تشاء.. جاهلاً في فهم الحرية المشروطة وكيفية التعامل معها أو حقك في الجزء الذي يخصك منها..

ولعل أقرب الأمثلة على ذلك أو مايسميه المجتمع " بالهياط " ردود الفعل التي حصلت بعد السماح للمرأة بقيادة السيارة.. ونلاحظ هنا المرأة السعودية بشكل عام.. وقد أحسنت الحكومة في إدارة هذا الملف وإغلاقه وهو ملف في نظري عادي وقضية حسمت وانتهت وينبغي أن ننظر إلى الأمام بعدها.. القيادة سُمح بها ولكن هل هي إجبارية بالتأكيد لا؟ فمن تريد أن تقود هذا حقها ومن لانريد هذا حقها أيضاً.. والأسر التي سوف تمنع هذا الحق ولانريده هذا حقها.. إذن كان القرار بالقيادة لمن تريد.. وبالتالي على كل أسرة أو شخص أن يختار مايريد.. ولايعتدي على حرية الآخر.. ولكن بعض ردود الفعل " المهياطية" بعد القرار بها الكثير من السماجة والجهل والتعدي والعنصرية وقلة الأدب.. وكأنها فرصة للهجوم على المرأة.. والاعتراض على الدولة.. من حقك ان تقول " أنا لا أستسيغ أن تقود المرأة.. ولن تقود أختي أو زوجتي أو بنتي.. هذا حقك.. لكن أن يخرج مراهقون وشباب في يوتيوب ورجال كبار في تسجيلات مسموعة يشتمون بأسوأ وأقذع الألفاظ ويدعون على النساء بالموت والهلاك.. وشباب فاشل ضايع خلفه من يحرضه يتوعد النساء بالدعس والحرق وآخر بألفاظ قذرة.. ينبغي هناالتوقف عند ذلك وإعادة شرح مفهوم الحرية غير المقننة.. واعتبار ذلك جرائم كراهية وتهديد على الشبكة العنكبوتية وكما يجري في الدول المتحضرة يتم التعامل معها بالبلاغات والعقوبات التي تسنها الدول.. وتعتبرها تهديداً لأشخاص دون تسميتهم..

لا أتفق مع من يقول "خلوهم ينفسوا عن نفسهم ويخرجوا قهرهم على السواقة".. ولا تمنعوا الرأي.. أي رأي يتحدثون عنه هذا تهديد.. وهذا تعدٍ وسب.. تدخل فيما لايعنيه.. في بريطانيا قال مكتب الإدعاء الملكي إن الإرشادات الجديدة للتعامل مع جرائم الكراهية تأتي استجابة لنمو وسائل التواصل الاجتماعي وهناك كثير من حالات المحاكمات الناجحة لأشخاص أساءوا إلى مشرعين وغيرهم على الإنترنت..

في النهاية هؤلاء الذين يهاجمون وخلفهم من يصفق لهم يعيشون في أحلام تحويل المجتمع إلى ولي أمر واحد.. يريدون أن يكونوا أولياء أمورنا وأوصياء علينا.. ولايعرفون أن هذه الوصاية تخصهم وتعنيهم فقط.. ولايمكنهم فرضها على الآخرين.. والسواقة بالتحديد اختيارية وقرار دولة سيتقبله المجتمع بالتدريج.. ومن يرغب سوف يقود ومن لايرغب لن يقود.. هذه هنا هي الحرية بمفهومها الشامل تفعل ماتريده دون التعدي على مايريد الآخر ولكن ضمن حرية ومفاهيم المجتمع الذي تعيش فيه!!