هناك الكثير من الموهوبين وهناك فئة أوسع من الذي لديهم امكانيات وقابليات للإبداع لكنهم كامنون وغير ظاهرين على الساحة, والسبب الرئيس لذلك هو تقصيرهم في المران وصقل الموهبة, لكن ما الذي يجعل موهباً أفضل من آخر وأبرز من منافسيه؟ ما الممارسة التي تدفع بالموهبة نحو مستوى أعلى من التميز والإبداع؟

بالتأكيد هو المران والتدريب المستمر للموهبة, فالكاتب لا يمكن أن يكون كاتباً مبدعاً إلا بالقراءة والكتابة المستمرة, كما كان يفعل رائد الخيال العلمي «راي برادبيري», الذي استمر يكتب قصة قصيرة واحدة كل أسبوع لمدة عشر سنوات! أي 520 قصة قصيرة, مما مكنه من تطوير أسلوبه السردي وانتخاب أفضل الأفكار لينتج أروع الروايات والقصص, أو الشيخ علي الطنطاوي الذي يذكر في مذكراته أنه كان يقضي نحو سبع ساعات يومياً في القراءة والكتابة, مما جعله يستحق لقب «أديب الفقهاء» بجدارة.

بالتأكيد الموهبة والرغبة تلعبان دوراً محورياً في انطلاق الموهوب, وأكثر في استمراريته, لكن غياب التدريب والصقل يجعله عرضة للتوقف عن النمو, وجماداً في مهارته, ومتراجعاً في الأثر والتأثير, لذا نعود دوماً لنظرية العشرة آلاف ساعة تدريب, تلك الفكرة التي اختبرها الكاتب «مالكوم جلادويل» في كتابه الشهير «المميزون» الصادر قبل نحو عشر سنوات, حينما أكد عبر استعراضٍ لعدد من النماذج؛ أنه كلما زادت عدد ساعات التدريب انعكس ذلك إيجاباً على الموهبة, ويدلل على ذلك بالموسيقار «موزارت», الذي بدأ التلحين تحت إشراف والده فى سن السادسة. وأنتج في سن مراهقته عددا من الأعمال لم تكن مميزة, بل كان أغلبها إعادة توزيع لأعمال ملحنين آخرين. غير أن أول أعماله المبهرة أنجزها وهو فى الحادية والعشرين من عمره. أي بعد أكثر من عشر سنوات من الممارسة والتدريب الشاق. ناهيك عما لفت نظره بكون لاعبي الفرق الطلابية للهوكي المميزين غالباً ما يكونون من مواليد الأشهر الأولى من السنة, وذلك بسبب أنهم تدربوا أكثر ممن ولد من الأشهر الأخيرة من نفس السنة.

ولك أن تتصور أن عشرة آلاف ساعة تعني أنه لمدة عشر سنوات فإنك من المفترض أن تقضي يومياً من ساعتين إلى ثلاث ساعات في تنمية وصقل موهبك! فأي موهبة ومهارة سوف تكتسبها بعد هذه المدة الطويلة من التدريب والمران. وهو ما يمكن ملاحظته بوضوح على نجوم الرياضات الفردية مثلاً كالتنس والغولف والسباحة, حيث ساعات التدريب الطويلة والمرهقة تنتج أبطالاً لا يشق لهم غبار.

طريق الموهبة ليس مكسواً بالزهور فقط وليس مجانياً, لأنك لا يمكن أن تنجح بالموهبة وحسب, بل هي مسيرةٌ تحتاج أن تبذل فيها الكثير من الوقت والصقل والتعب, حينها سوف تبهر مما تبدعه موهبتك, ثم تدرك لذة الإنجاز والانتصار بعد ساعات التعب والألم.