تؤكد الفلسفة -باعتبارها نشاطاً عقلياً يزيد من القدرة على الفهم ويساعد على الاستدلال الصحيح والقراءة العميقة الواعية- تؤكد على أنّ معظم اعتقاداتنا المتعلقة بأمور حيوية كالدين والأخلاق لن تنتج سلوكاً مثمراً أو ناجحاً ما لم يكن مرتكزاً على استنارة الاعتقاد الصحيح إذ إن عدم صحته سيقودنا إلى الخرافة أو التخمين أو العادة الجامدة ما يعني أن اعتقاداتنا لا تستحق ولاءنا العقلي بعد أن باتت مرشداً غير مأمون السلوك.

ما تقدّم توطئة ومهاد نظري سريع لما أعقب الحدث التاريخي المهم الذي تضمنه الأمر السامي القاضي بالسماح للمرأة بالقيادة، حيث خلت الآراء والتعليقات المصاحبة -فيما أعلم- من أي قراءة ثقافية آنية لهذا الأمر على الرغم من سيل الأحبار المهرقة تفاعلاً وتعليقاً من قبل الكُتّاب والكاتبات، إذ كنّا نطمع بقراءة متبصّرة تستبطن هذه الرؤية التي دعمها رأي أغلبية أعضاء هيئة كبار العلماء التي رأت أن قيادة المرأة للمركبة من أن الحكم الشرعي في ذلك هو من حيث الأصل الإباحة، وأن مرئيات من تحفظ عليه تنصب على اعتبارات تتعلق بسد الذرائع المحتملة التي لا تصل ليقين ولا غلبة ظن، وأنهم لا يرون مانعاً من السماح لها بقيادة المركبة في ظل إيجاد الضمانات الشرعية والنظامية اللازمة لتلافي تلك الذرائع ولو كانت في نطاق الاحتمال المشكوك فيه.

هذا الغياب لأي قراءة ثقافية يحيلنا إلى قضية التلقي والتأويل وما يتداخل فيها من عوامل عديدة تخدم سيرورة الإبلاغ ووصول الرسالة سواء مؤهلات المتلقي أو طبيعة تكوينه وقدراته.

أغلب الأقلام التي انبرت كتابةً وتحليلاً وتعليقاً غفلت عن أهمية بيان هيئة كبار العلماء رغم رصانته وعمقه، ولم تنفذ إلى ذلك العمق حيث اكتفت بملامسة قشرية عابرة، وبدا من كتابات بعضهم أنّ رؤية هيئة كبار العلماء عادية وأن ما حدث هو مجرّد ضغوطات مجتمعية وإنسانية فيما الحقيقة تتجافى مع هذا الاستنتاج ، وهنا تحضر للذاكرة مقولة عميقة للكاتب والروائي الأميركي وليم فوكنر إذ يقول: «يكتبون كلاماً جميلاً لكنهم لا يقولون شيئاً».

ولعلّ من الأهمية للتاريخ وللحقيقة أن يشاد ويشار إلى رؤية هيئة كبار العلماء التي كانت رافداً مهماً دعم رؤية القيادة التي كانت دوماً عميقة وحكيمة إلى أبعد الحدود في قراراتها التي تتّسم بالأناة وتمكيثها في دائرة الاختبار حتى تنضج وتصبح جاهزة للتطبيق فتعلنها في التوقيت المناسب.

يطول الحديث في تبيان أهمية وعمق هذا القرار ويحتاج إلى وقفات عديدة لكن ضيق المساحة يحول دون ذلك فقط ينبغي التأكيد أن مملكتنا الحبيبة ماضية نحول المستقبل بسرعة تستدعي الإشادة والتنويه حيث لا نكوص للوراء في ظل قيادة راشدة آلت على نفسها مقارعة المستحيل وكل ما من شأنه قيادتنا نحو مملكة ترسّخ المَدْينة والقوننة وقبلها الحوكمة من أجل غد أكثر بهاءً وإشراقاً.