في صباح أحد أيام الشتاء، جلس رجل في محطة مترو الأنفاق في مدينة واشنطن، وبدأ يعزف على الكمان لمدة 45 دقيقة لست مقطوعات موسيقية شهيرة للموسيقار الألماني باخ أحد عباقرة الموسيقى الكلاسيكية. بعد 3 دقائق من بداية العزف توقف أحد المارة ليستمع إلى تلك الأنغام، ثم ذهب سريعاً ليلحق بعربة الترام. بعد 5 دقائق ألقت امرأة عجوز بدولار للعازف ومضت سريعاً. وبعد قليل وقف شاب معجباً بالموسيقى، لكن بمجرد سماعه صوت المترو هرع سريعاً ليلحق به. كان عدد من توقف لبضع ثوان خلال تلك الدقائق الخمس وأربعين ستة أشخاص فقط، أما عدد من أعطوا العازف بعض المال ثم واصلوا طريقهم للمترو فهم 20 شخصاً. ولم يجمع العازف في تلك الدقائق إلا 32 دولاراً. وعندما أنهى العازف مقطوعته الأخيرة لم يلاحظ الناس الموجودين الصمت الموحش الذي حل محل ألحانه الجميلة، بل ولم يصفق أو يهتف له أحد، ولم يحاول أي شخص أن يثنيه عن الرحيل ليعاود عزفه الجميل!!.

لم يدرك الآلاف من الناس الذين مروا بذلك العازف أنه واحد من أشهر وأبرع عازفي الكمان في العالم!! كما لم يدركوا أنه كان يعزف أصعب وأشهر المقطوعات الموسيقية باستخدام كمانهِ الذي يقدر ثمنه بأكثر من ثلاثة ملايين دولار.

كان ذلك العازف هو (جوشوا بيل) الذي كانت تصل ثمن تذكرته من حفلاته الموسيقية إلى مئة دولار، ويحضرها الآلاف كل مساء.

نعم.. هذه قصة حدثت بالفعل، وذلك لاختبار وعي الناس بوجود الموهبة. فقد فكرت صحيفة (واشنطن بوست) في دعوة العازف الشهير(جوشوا بيل) ليعزف في محطة المترو كجزء من تجربة اجتماعية، الغرض منها اختبار وعي الناس وأذواقهم وترتيب أولوياتهم في الحياة.

وكان هدف الدراسة الإجابة على الأسئلة التالية: هل يشعر الناس بمواطن الجمال من حولهم إذا كانوا في مكان عام وعادي، وفي فترة يركزون فيها على شؤونهم الخاصة فقط؟! هل يتوقف الناس ليعبروا عن تقديرهم وإعجابهم بالموهوبين؟ هل يمكن للناس أن يكتشفوا بسهولة وجود الموهوبين واكتشاف مواهبهم، ويشمل ذلك كل الموهوبين في مختلف ألوان المعرفة في الفنون والآداب والعلوم والتقنية...إلخ.

بقيت كلمة أخيرة ومهمة وهي أن ركاب المترو لم يتوقفوا لينصتوا لأشهر عازف كمان في العالم، وهو يعزف أشهر المقطوعات الموسيقية في العالم.

ترى كم عدد الموهوبين والمخترعين الذين يبدعون ويخترعون دون أن يلاحظهم كثير من الناس!!...