هنالك تغيرات متسارعة في المجتمع السعودي، تتم بوتيرة أسرع مما اعتاد عليه المجتمع خلال السنوات التي خلت. فالقيادة السياسية للبلاد، تعي أنها تسابق الزمن، وأن هنالك مسؤولية كبيرة عليها القيام بها، وهنالك خطوات إصلاحية وتنموية مهمة لا يمكن تأجيلها، لما فيها من أهمية للصالح العام.

من هنا، نجد أن القرار الذي أصدره الملك سلمان بن عبدالعزيز، بالسماح للنساء بقيادة المرأة للسيارة، يأتي منسجما مع التوجه السياسي والاقتصادي والثقافي الجديد للمملكة، والتي تعيش مخاضا، لن يكون سهلا، في التحول نحو دولة مدنية حديثة، تقوم على مبدأ المواطنة وسيادة القانون، والشراكة الحقيقية في تحمل المسؤولية وبناء المستقبل.

المسألة ليست موضوعا أن تجلس النساء خلف مقود مركباتهن، وإنما هو اعتراف حقيقي وواضح بأن هذا الجدار الرفيع والسميك الذي بني لسنوات، يعزل بين النساء والرجال، ويحد من قدرة المجتمع في الاستفادة من طاقات أبنائه، هذا الجدار الوهمي من الخوف والشك والتقاليد البالية، لم يعد له وجوده الصارم والمانع لأي تقدم. بل إن الإرادة السياسية تعمل على إعادة تشكيل وعي المجتمع، عبر تفعيل نشاطات ثقافية وفنية وترفيهية، تجعل الناس تمارس حريتها وفرحها، دون إكراهات.

رؤية 2030 التي تعمل السعودية على تحقيقها، تواجه ملفات وقضايا شائكة عدة، منها ملف المرأة. فكيف يمكن أن نحقق اقتصادا قويا، غير معتمد على النفط، ونقلل من مستويات البطالة، ونخلق فرص عمل جديدة، ونرفع كفاءة السوق المحلي والخريجين السعوديين، فيما نصف المجتمع مغيب، أو غير قادر على المشاركة في الاقتصاد، بسبب قيود اجتماعية، وعادات ثقافية، هي في أحسن أحوالها، اجتهادات الأجداد، التي لم تعد صالحة لتكون حاكمة علينا وعلى الأجيال الجديدة!.

إن المرأة هي مفتاح تغيير حقيقي في المجتمعات العربية. بل إن مستوى تحضر أي مجتمع يقاس – في أحد معاييره – من خلال موقف أفراده من المرأة، واحترام حقوقها، ومقدار ما لديها من إمكانات وتعليم ومساواة مع الرجل. لأن أي تمييز يقوم على "الجندر" هو في النهاية فعل إقصاء، لا يتواءم ومعايير التعددية وقبول الآخر.

لقد عاش السعوديون يوم 26 سبتمبر الجاري ليلة عظيمة استثنائية، شعر فيها الكثيرون منهم بالفخر والسعادة، وأن هنالك مستقبلا حقيقيا ينتظرهم، وأن الأجيال القادمة ستستطيع فعليا التخفيف من أعباء العيش في الماضي وبطون الكتب، وهذا ما لمسته من خلال نقاشاتي مع العديد من الأقارب والأصدقاء، على اختلاف مستوياتهم الثقافية وتوجهاتهم الفكرية، إلا أنهم جميعا يشعرون أنهم أمام السعودية الجديدة. السعودية المنفتحة، الفرحة، المتسعة للجميع، والتي حلموا بها لسنوات طوال، وها هم يرون أن حلمهم بات قريب المنال!.