احتفلت المملكة العربية السعودية السبت المنصرم الثالث والعشرين من سبتمبر بيومها الوطني السابع والثمانين، وهو احتفال وإن بدا اعتيادياً وتقليدياً، ككل عام إلا أنّ أجهزة الدولة استشعرت منذ سنوات أهمية يوم الوطن وضرورة تكريس مفهوم اليوم الوطني من خلال منح الطلاب والموظفين إجازة رسمية أسوة بدول العالم التي تحتفي بأيامها الوطنية، يوم يحتفل فيه المواطنون صغاراً وكباراً بيومهم الوطني في أماكن الاحتفالات، المخصصة بسعادة وحب وانتماء، وإحياء لمسار جديد يصبح فيه الوطن هو الانتماء الأول وهو الملاذ الآمن الذي نتدثر به، وهو الإرث الذي لا نملك غيره!

يومنا الوطني حضرت فيه ملابسات أكثر من عادية ولكن في داخلها كانت غير اعتيادية، فطوال الأسابيع الماضية، شهدت الساحة حراكاً غير مسبوق لمجموعات وأفراد مدفوعة من الخارج وبعضها يعيش في الخارج ولا علاقة له بالداخل، رغم أنه عاش فيه ولم يهرب إلا منذ سنوات عندما ارتأى أنّ يناضل من الخارج كمرتزق متأملاً بمن في الداخل في أن ينفذوا أحلامه على أرض الواقع من خلال ذلك السيناريو الوهمي المسمى حراك 15 سبتمبر، والذي روّجوا له بشدة وبأنه سيكون يوماً مشهوداً في خروج السعوديين، كما هو مخطط له، ولكن ما حصل كان يمثل الصورة والواقع الذي يعرفه من توهموا تلك المسيرات، وهو أن المواطن السعودي آمن في بيته وفي سربه، ومطمئن لدولته وحكومته، ولن يخرج بإرادته وليس مدفوعاً للبقاء في منزله، خلت شوارع الرياض وجدة والدمام والمدن الكبرى الأخرى من الناس الذين استرخوا في منازلهم وخفت الزحمة المعتادة ولم يطرأ على بال أحد ذلك الحراك، الوهمي الذي من وجهة نظري كان استفتاءً ضمنياً غير مطلوب على شرعية الحكومة السعودية وعلى رضا المواطنين بالحكم السعودي، وشعورهم بالانتماء لهذه الأرض، ودفاعهم عنها وعن مقدراتهم وعدم تفريطهم بها لأن الوطن ليس لحظة عابرة، أو إحساساً مؤقتاً بل هو انغماس عاطفي داخله "روحي وما ملكت يداي فداه"!

الوطن حكاية لا توجد لها سيرة مشابهة هو أنت، وأجدادك وأحفادك، وامتداد روحك، هو قلبك مزروع هناك في المكان الذي ولدت فيه، وفي المدينة التي انتقلت إليها.. وفي روح الأهل والأصدقاء، هو الأرض والتراب الذي تمشي عليه، هو الهواء الذي نتنفسه، حاراً ورطباً وبارداً، الوطن هو الحنين الذي يقتلنا عندما نسافر بعيداً ونسعى للغربة لكن يذيبنا الحنين ونركض لنعود إلى أحضانه ليحتوينا، الوطن هو من ضم ترابه من نحبهم، وهو من نروي عنه الحكايات، ونفخر أننا أبناء هذا البلد!

كم هو مشرف أن تقول أنا لي وطن يحتويني ويكرمني.. أنك مواطن سعودي تشعر باعتزاز وبعذوبة في الإحساس وبأنك يمكن أن تروي روايتك، وتفتح منافذ ذاكرتك لتنثر عطر وطنك!

أمس كان نهاراً آمناً كغيره من نهارات الوطن، التف فيه أبناؤه بحب وانتماء ومسؤولية مضاعفة ليس للفرح فقط ولكن لحمايته من كل معتدٍ أو عابث.

كل عام والوطن بخير، كل عام والوطن آمن، ومطمئن، ويرفل في رغد التكاتف والالتفاف!!