حين نناقش فكر الإخوان ينبغي البعد عن الكلام الإنشائي الذي قد لا يؤدي إلى شيء، إلى الطرح العلمي الموضوعي الذي يدرس الجماعة من واقع تعاليمها، والبيانات الصادرة عنها، والحوادث التاريخية التي تبين فكر الجماعة واقعاً ماثلاً.

ولا شك أنه في هذا المقال المختصر لا يمكن الوفاء بذلك، لكن بالإمكان التركيز على نقاط محددة تلفت إلى ما وراءها:

1- البعض يعتقد أن الخلاف مع «الإخوان» في مسائل محددة ومعدودة، وهذا ليس بصحيح، فالخلاف مع الإخوان في المنهج قبل أن يكون في المسائل، وهي تتبنى تنظيماً جماعياً داخل المجتمع المسلم يقود إما إلى: السيطرة عليه أو الاصطدام به، وهي فكرة تنظيم الخوارج بطريقة أكثر تنظيماً، ويطبقون تكتيكاً تطبقه الحركة الجماهيرية، أياً كانت هذه الحركة، وهو أنه: «لكي تنجح هذه الحركة أو تلك فلا بد لها من تطوير تنظيم جماعي متماسك قادر على اجتذاب المحبطين والمتأثرين وصهرهم، وعند التحليل لحركة جماهيرية صاعدة؛ فليس من المهم أن تفحص عقيدتها، أو أن تتأكد من صدق وعودها؛ العامل الحاسم هو تنظيمها الجماعي الذي يستطيع صهر المحبطين فيها صهراً كاملاً»، ومن الشواهد التاريخية: الحركة البلشفية، والنازية، وهذا ما صنعته إيران في إنشاء ودعم ما يسمى بـ»بحزب الله» الذي له كيانه الجماعي الموحد، وأصبح دولة داخل دولة. والإخوان على هذا الطريق، فكيانهم هذا الذي قال عنه حسن البنا: إنه دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية». بهذا التوصيف يؤسس لجماعة داخل جماعة المسلمين، ودولة داخل دولتهم، مما ينتج عنه: إما أن تتغول الجماعة على جماعة المسلمين، وإما أن تصطدم بهم، والتاريخ خير شاهد.

2- من المبادئ التي يقوم عليها فكر الإخوان وهي التي تبين ارتباط الجماعات المتطرفة بهم مبدآن خطيران، أحدهما مترتب على الآخر، وهما: التكفير، والخروج على الحاكم. وعن التكفير، يقول البنا: ولا نكفر مسلماً بذنب متى نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاها.. والإشكال في تفسير: «وعمل بمقتضاها» وهو الذي اشتغل عليه سيد قطب ودارت أفكاره عليه من خلال: «الحاكمية» و»الجاهلية» يقول محمد قطب: فكر سيد قطب هو الامتداد الحقيقي لفكر حسن البنا: فحسن البنا في رسالة التعاليم يقول: ولا نكفر مسلماً بذنب متى نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاها. وسيد قطب يتحدث عن قيد أو شرط «وعمل بمقتضاها». والنتيجة أن الفكر تبنته جماعات متطرفة، كفرت الدول المسلمة بمجتمعاتها التي تحكم بالقانون الوضعي، وصنفته مجتمعاً جاهلياً وترتب على ذلك موجات من الفتن؛ أريق بسببها دماء معصومة.

3- البعض يركز على أن الإشكال مع فكر «الإخوان» هو ما يتعلق بالجناح القطبي أما «البنائي» فيمكن التعامل معه لأن مسالم، والواقع أن فكر البنا وقطب يقوم على أساس واحد، ويدور على «الحاكمية» وتطبيق ذلك وإن أدى إلى الخروج على الحاكم واستخلاص ذلك بالقوة. يقول حسن البنا في المؤتمر الخامس للإخوان: فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف. ووجه الاختلاف بين حسن البنا وقطب، أن البنا كرس نفسه للتنظيم والتأسيس وتوسيع المشروع وأعطى ذلك جل اهتمامه، أما قطب فقد أعطى الفكر لا سيما السياسي منه جل اهتمامه، فأمضى وقته للتمييز بين الكفر والإيمان في علاقة الحكم والحاكم بالمحكومين، وعلاقة النظام الكافر، والمجتمع المحكوم الراضي بهذا الحكم والآثار المترتبة على ذلك.

  • الأمين العام لهيئة كبار العلماء