«الانتماء» كظاهرة ملفتة للانتباه مقارنة بما كان يثار حول مواطنة السعوديين وارتباطهم وولائهم لبلادهم صدمت الكثير وجعلتهم يعيدون كل حساباتهم وتوقعاتهم تجاه بلادنا، فعند المحن تظهر معادن الناس..

اليوم يكون قد مر على بلادنا 87 عاما منذ تأسيس المملكة وقد سبقها أعوام كثيرة بذل فيها المؤسس الملك عبدالعزيز ورجاله الكثير من أجل بناء هذه الوحدة التي ننعم تحت ظلالها جميعا. عند الاحتفال باليوم الوطني دائما ما يكون هناك أسئلة تمس «الانتماء والمواطنة» وأخرى تمس المستقبل وبالتالي فهي تتقاطع مع التنمية، لكن قبل أن نتناول هذه الأسئلة يجب أن نقول إنه يحق لنا بفخر أن نحتفل بهذا الوطن الذي يجمعنا وبهذه اللوحة الفنية «الموزايكية» التي تتشكل منها ثقافات الوطن ومكونه الاجتماعي والجغرافي، فنحن نعيش في بلد كبير ومتنوع وثري في كافة المجالات وهذا الذي يجعل من معجزة الوطن جزءا من معجزة الإنسان على هذه الأرض. هذا العام بالذات الاحتفال بالوطن له طعم مختلف، فالتحديات التي نواجهها تزداد لكننا نتماسك أكثر. انتماء السعوديين لأرضهم يزداد ويكبر ويتم التعبير عنه بكل وسيلة، ومن كان يراهن على تصدع العلاقة بين الوطن وأبنائه اتضح له أن رهاناته خاسرة وتأكد له أن السعوديين لا يرضون غير وطنهم بديلا.

«الانتماء» كظاهرة ملفتة للانتباه مقارنة بما كان يثار حول مواطنة السعوديين وارتباطهم وولائهم لبلادهم صدمت الكثير وجعلتهم يعيدون كل حساباتهم وتوقعاتهم تجاه بلادنا، فعند المحن تظهر معادن الناس، والأحداث دائما تغربل المجتمعات وتنخلها وتصنع منها مجتمعات متعاضدة أو متنافرة. الانتماء والمواطنة في المملكة ظاهرة «استقرار» فمن كان يخطط لـ «حراك 15 سبتمبر» تأكد لديه أن هناك مناعة «مواطنية» تحمي بلادنا من عبث العابثين. هذا الدرس المهم للمواطنة والانتماء التي تحمي الاستقرار وتدافع عنه يجب أن يتوسع كي يتحول إلى درس في «المسؤولية» فإذا كان الاستقرار الذي دافع عنه السعوديون بكل ضراوة يشكل عصب البقاء، كذلك المسؤولية الاجتماعية تكمل الصورة الذهنية التي يجب أن يكون عليها السعوديون داخل وخارج بلادهم.

منذ فترة طويلة كنت أرى في اليوم الوطني فرصة تعليمية ومفصلا توعويا مهما، ليس لتقوية المواطنة والانتماء، فهذه أثبتت الأحداث أنها جزء من أصالة شعبنا، لكنها فرصة من أجل معرفة الوطن أكثر، ومن أجل ربط مكوناته الاجتماعية وزيادة التفاعل بينها. القوة دائما تنبع من الداخل، وبناء القوة الداخلية غالبا ما يبدأ من هذا التماسك بين الناس وأرضهم وقيادتهم وبين الناس بعضهم ببعض، وهذا اليوم الذي يعبر فيه المواطنون عن حبهم لبلادهم لا بد أن يكون يوما يعمق فكرة أن كل الوطن للمواطن كما أن كل المواطنين للوطن. إحساس كل منا أنه يملك وطنه يجعله بكل تأكيد يذود عما يملكه بكل ما يستطيع.

ومع ذلك تبقى التنمية مفصلا مهما يعمق الإحساس بهذه الملكية المتبادلة، أذكر هنا مقولة للراحل غازي القصيبي رحمه الله يؤكد فيها أن «الوطن هو رغيف الخبز لنا ولأبنائنا»، فلطالما استوقفتني هذه العبارة ولطالما «شط» بي الخيال بعيدا، فوجود الوطن يعني الكرامة ويعني الأمن، والتنمية هي مسألة «وجودية»، لذلك كانت التنمية أحد أهم التحولات الكبيرة التي تعيشها بلادنا، وما رؤية 2030 إلا إطار كبير لوطن المستقبل، أو ما سيكون عليه الوطن في المستقبل. نحن هذا العام نعيش يوم الوطن وننظر للتنمية بشكل مغاير، نواجه الصعوبات ونطوع كل مواردنا لمواجهة هذه الصعوبات. أنا على يقين أن مواجهتنا هذه مع التنمية ستكون حافلة بالكثير من التحولات ستعيد ترتيب الأولويات الاقتصادية والادارية والاجتماعية بما يتفق مع تطلعاتنا المستقبلية.

لا أنكر أن الاحتفال باليوم الوطني يذكرني بشريط متسلسل من ذكرياتي وتجاربي الشخصية، علاقتي مع كل ما يحدث لنا وحولنا مكون من الوطن ومنا، فهي جزء من السيرة الذاتية التي لا تستطيع أن تنفصل عن ذاكرة الوطن وسيرته الذاتية. إنه يوم للتذكر والاحتفال لأنه يجعلك متيقنا الأثر الكبير الذي تركه الوطن على كل تفاصيل حياتك، فكلما كبرنا كبرت علاقتنا مع هذا الوطن وهيمنت ذاكرته على ذاكرتنا الشخصية.