تمر الذكرى السابعة والثمانون لتوحيد المملكة.. والمسألة ليست ذكرى عابرة كأي مناسبة نحتفل بها ثم تمضي خلف ستار النسيان .. لا.. فذكرى توحيد المملكة هي ذكرى عظيمة تتجدد وتتجسد في وطن كان مبعثرا ومشتتا وضائعا تنهبه الفرقة، والتناحر، والاقتتال القبلي، كما ينهبه الجهل والفقر والضياع ...

كانت الجزيرة العربية تعيش حالة تفرق، وتمزق .. فكل مدينة بل كل قرية هي كيان مستقل يعتمد على قوة أبنائه أو ضعفهم.. وكان السطو والغارات القبلية بعضها على بعض شكلاً من أشكال حياة الجزيرة العربية، بل كانت هناك قبائل لا تعيش الا على السلب والقتل، والدماء، والهيمنة لمن غلب وتسلط… كان الذعر يسيطر على قلوب الناس، فلا ينتقلون من قرية إلى قرية إلا بما يسمى (الرفق) وهم عبارة عن حماة مسلحين أشداء يأخذون أجرا مقابل حماية هؤلاء المسافرين ما بين القرى ..

تلك كانت حالة الجزيرة العربية في ذلك الزمن الكالح المزعج القلق، إلى أن قيض الله لها البطل الهمام الملك عبدالعزيز، حيث قاد تلك الكتيبة البسيطة المكونة من أربعين رجلا ًببندقية واحدة وسلاح ابيض، ولكن الفارس فارس، والبطل بطل، فقاد بنفسه تلك المجموعة بعزيمة الأبطال، وإصرار الرجال التاريخيين الكبار، فاقتحم القصر، وانقض بنفسه في مخاطرة لا يفعلها إلا الأبطال المغاوير ..

ويشهد التاريخ أن الملك عبدالعزيز فوق كونه بطلا مقداما أنه كان قائدا محنكا، وسياسيا حاذقاً بل ويعتبر من دهاة السياسيين التاريخيين، إلى جانب حلمه وحكمته وصدقه الذي قرب الناس إليه، وجعلهم يحبونه حبا ملأ قلوبهم واحاسيسهم فانقادوا له طائعين لينظموا تحت لوائه بولاء لا يشبهه ولاء وحب لا يشبهه حب..

إن توحيد المملكة ذات الجغرافية الصعبة، والقبائل المتناحرة الصلبة، وصهرها في دولة ضخمة أمر يكاد يكون ضربا من ضروب الخيال.. وتلك نعمة من نعم الله على هذا البلد الذي اصبح من البلدان التي يشار إليها بالبنان، وحدةً، وبناء وانصهارا ثقافيا، واجتماعيا، وتقدما، وازدهارا في كل الميادين .. لذا فإنه من الواجب حماية هذه الوحدة الوطنية، وصونها من العبث، والانجرار وراء الدعايات والأقاويل، والدسائس المغرضة، والاعلام المضلل، فهناك الكثيرون من الذين في قلوبهم مرض يتمنون تفتيت لحمة هذا الوطن الكبير، ويسرهم تناحر أبنائه، وتفكيك لحمته الوطنية، ليصبحوا جزءا من الأعداء المتربصين من بعض الدول الحاقدة كإيران وأذنابها، أو من بعض الدويلات القطرية الصغيرة التافهة التي لا تستحق عندي الذكر والالتفات، أو الاهتمام. والتي ينطبق عليها قول المتنبي

فلَوْ كنتَ امرأً يُهْجى هَجَوْنا *** ولكِنْ ضاقَ فِتْرٌ عَن مَسيرِ

نعم فأنت صغير لا تستحق كلمة هجاء، تماما ً مثلما أن شبرا ً من الأرض لا يمكن لك أن تسير فيه ..!

أعود إلى القول إن على كل مواطن يفهم معنى الوطنية ويفخر بأن له أرضا كهذه الأرض، ووطنا كهذا الوطن أن يكون ذلك مكان و مصدر فخره واعتزازه، وأن يدافع عنه، بلسانه وقلمه، فاللذين لا أوطان لهم هم مساكين الناس، وما أكثر الضائعين، والمتشردين، والذين أخرجوا من ديارهم يكابدون - في شوارع الدنيا- الضياع والتشرد والجوع، والدموع التي لا يراها أحد، والأنين الذي لا يسمعه أحد..

فاحذروا يا أبناء هذا الوطن الكريم من الدسائس، والأفكار النجسة التي يروجها الحقدة والمرجفون وأدام الله هذا الوطن دوحة خضراء تعطي الجمال والظل والثمر..

وكل عام ووطننا ينمو ويزدهر ويزداد رفعة وشموخا..