لم يكتف الأحنف بأن قدم وصفاً مقلقاً عن وضع البصرة في موقعها وفي أرضها، بل عقد مقارنات بينها وبين الأقاليم التي حولها، فذكر مصر والشام والكوفة، وهذه الأقاليم ذكر أنها تقوم على إرث في الحضارة وفي الموارد فمصر منزل الفراعنة، والشام منزل القياصرة، والكوفة منزل الأكاسرة، أما البصرة فلا يأتيها شيء إلا في مثل مريء النعامة، والمريء مجرد الطعام، وذكر النعامة بالذات من الطيور؛ لأنها من أدق الطيور عنقاً.

فبعد هذا الوصف الشديد في القتامة، والبليغ في الدقة؛ تأتي مطالب وآراء الأحنف لما يراه محققاً لإصلاح معاش الناس، والنهضة الاقتصادية للإقليم. ويمكن أن تجعل رؤيته في الأرقام التالية:

1- في البداية توجه إلى عمر رضي الله عنه ــ الذي يمثل الحكومة ــ بمطلب عام حين قال: "فارفع خسيستنا وانعش وكيستنا"، وإذا استحضرنا مع هذا الطلب مقارناته التي عقدها مع الأقاليم الأخرى ندرك أن هذا المطلب يتفق مع ما يقرره الاقتصاديون المحدثون من أن للحكومة في اقتصاد السوق ثلاث وظائف: زيادة الكفاءة، وإشاعة المساواة، وتنمية ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. وسيزداد مطلبه هذا إيضاحاً في أرائه الآتية.

2- "وزد في عيالنا عيالاً، وفي رجالنا رجالاً"، وعطف الرجال على العيال ليس من قبيل المترادف، فالعيال الأسر، والرجال من يتحمل مسؤولية هؤلاء الأسر، فهو يريد إذن مدينة متكاملة في حياتها المدنية وليس مركزاً حربياً أو قاعدة عسكرية ــ انظر المقال السابق ــ وهنا يمكن أن يناقش سؤال: هل صحيح ما يدعيه " المالثوسيون "المعاصرون من أن المناطق الأكثر كثافة بالسكان هي الأكثر تعاسة؟ الحقيقة ــ التي قد تفاجئ البعض ــ كما في كتاب الاقتصاد لسامويلسون أن الدول التي لديها كثافة سكانية أكبر، تميل لأن يكون لديها مستوى معيشة أعلى وليس أدنى.

ونكمل في المقال القادم.