إيران تنتهك سيادة جيرانها، وتفشي الخوف بدلا من السلام، ولم تدخل بلداً من جهة إلا وهجره الأمن والاستقرار من الجهة الأخرى.. إنها حسب تعبير الرئيس الأمريكي تجمع كل مقومات الخطر المحدق بالعالم..

التمرغ في ردغة السياسة زمنا طويلا يخلق نسقا من التفكير يعيد تدوير نفسه ليتحول إلى قوانين يتطلب الانعتاق من قيودها ثورة على الإرث السياسي التقليدي. والرئيس الأمريكي كان ثائرا على نخب واشنطن إبان حملته الانتخابية، وعندما سكن البيت الأبيض شرع في التمرد على الشروط المتوارثة.

الرئيس أكمل مسيرة الخروج على مألوف السياسة من خلال أول كلمة في الأمم المتحدة. لقد سمى الأسماء بمسمياتها، وعلى الآخرين التعامل معه وفق رؤيته التي أسهمت المملكة وبخاصة الأمير محمد بن سلمان في تغذيتها مبكرا في لقائي واشنطن والرياض: "تشرفت في المملكة العربية السعودية بأن أخطب في أكثر من 50 دولة عربية وإسلامية.. واتفقنا على أن نعمل معا لحرمان الإرهاب من أي ملاذ، أو عبور أو تمويل أو أي نوع من الدعم للأيديولوجيات الشريرة". وأنا أسمع هذه العبارة بصمت بعشر أصابع بأن أمريكا تغيرت على مستوى البيت الأبيض.

لماذا قامت منظمة الأمم المتحدة؟ نشأت المنظمة للحفاظ على الأمن، والسلام والسيادة والازدهار لدول العالم، ومن يهدد هذه المبادئ مجتمعة أو واحدة منها فإنه يهدد الأمن والنظام العالمي. غير أن المنظمة عُرفت بانحياز بعض مؤسساتها، وبتطرف البعض الآخر وبعدم الفعالية. الكلمة الصاروخية للرئيس الأمريكي تمثل ملمحا من ملامح إصلاح خطاب المنظمة الدولية.

"الإرهاب انتشر في كل مكان من العالم (هكذا قال ترمب) والدول المارقة على القانون في هذه القاعة لا تؤيد التطرف والإرهاب فحسب بل تهدد الأمم الأخرى وشعوبها بأكبر الأسلحة التي عرفتها البشرية تدميرا.. وإن آفة الكون اليوم هي مجموعة من الدول الخارجة عن القانون التي تنتهك كل مبدأ بنيت عليه الأمم المتحدة". إنها كلمات كالرصاص أدمت جبهات ممثلي الدول المارقة وأولها إيران.

مشكلة الدول الغربية وبعض المؤسسات الأمريكية أنها ترى إيران من خلال "فلتر" القيم المشتركة وبخاصة الديمقراطية. لكن رئيس أمريكا المختلف يرى -ومعه الحق- غير ذلك حيث يعتبر أن "إيران تضفي قناع الديمقراطية على نظام خارج على القانون، لا يصدر إلا العنف وإراقة الدماء والفوضى". هذه الخلاصة توصل لها السعوديون منذ اختطاف ولاية الفقيه للثورة الإيرانية. ولكن لم تجد آذانا صاغية من دول العالم.

الرئيس دونالد ترمب لم يوجه الاتهام ويكشف زيف الديمقراطية الإيرانية فحسب وإنما أضاف بأن "أموال الشعب الإيراني تمول حزب الله والتنظيمات الإرهابية التي تقتل العرب والمسلمين الأبرياء من جيران إيران. وأن ثروة الشعب الإيراني تعزز دكتاتورية بشار الأسد، والحرب الأهلية في اليمن وتقوض السلام في كل أرجاء الشرق الأوسط".

وهنا فهم واقعي لمكونات الدولة في إيران، فالمعني بالحروب وتمويل الإرهاب هي مؤسسة ولاية الفقيه، وهي لا تخضع لمحاسبة الشعب وإنما تمثل سلطة فوق بشرية تتسامى عن المساءلة. إن الفتات الذي يرمى به للشعب الإيراني التواق للتغيير هو ديمقراطية صورية لا تملك صوتا على السياسة الخارجية ولا على الحرس الثوري ولا تجرؤ على سؤال المرشد عما يفعل. الإرهاب الإيراني هو عينه "التطرف الإسلامي" الذي يتحدث عنه ترمب، فقبل ولاية الفقيه ذلك التطبيق الأوحد للإسلام السياسي لم يكن هناك إرهاب "إسلامي".

إيران تنتهك سيادة جيرانها، وتفشي الخوف بدلا من السلام، ولم تدخل بلداً من جهة إلا وهجره الأمن والاستقرار من الجهة الأخرى.. إنها حسب تعبير الرئيس الأمريكي تجمع كل مقومات الخطر المحدق بالعالم وبذلك فإن العالم كله مطالب بأن يتعاون من أجل القضاء "على الملاذات الآمنة للإرهابيين، ومراكز عبورهم، ومصادر تمويلهم، وكل شكل من أشكال الدعم لأيديولوجيتهم الدنيئة والشريرة"، وإيران تقوم بكل ذلك وعلى مرأى من دول العالم وبدونه تسقط ولاية الفقيه.

إدارة الرئيس ترمب لا تريد أن ترتكب أخطاء البيت الأبيض السابقة التي وضعت دولة مثل كوريا الشمالية ندا للولايات المتحدة الأمريكية. ولا تريد أن تصبح غدا على دولة مارقة أخرى مسلحة بالصواريخ النووية. وحيث أن أوربا تغرد من كوكب آخر، فإنها لا تبدو شريكا مساندا لأمريكا في مهمتها ضد إيران. ولذا فإن أصدقاء أمريكا الذين عانوا ويعانون من جارة آبقة سيكون لهم الدور الأبرز في دعم التوجه الأمريكي لتخليص العالم من شر الدول المارقة.