وظيفة الداعية لم تدرس بعد. انغرست في حياتنا حتى أصبحت حقيقة لا تقبل الجدل. صارت تبدو كأنها أصيلة متحدرة من تراث الإسلام ومن بنيته الثقافية.

لا يدرك كثيرون أن وظيفة داعية تم استيلادها في مصر في السبعينيات الميلادية. هي في الواقع ثمرة مشروع الرئيس أنور السادات لإبرام صلح كامل مع إسرائيل. كان في حاجة إلى خطباء يخلقون توجهات جديدة تواجه ثقافة القوميين والاشتراكيين والناصريين التي تأسست على العداء الكامل لإسرائيل. تصنيع هذه الطبقة ضرورة لتشويه الثقافة الحديثة وربطها بالعهر والفسوق والإلحاد الخ. فظهرت مجموعة من هؤلاء الدعاة في مصر واشتهرت بنقد (الحكومة) في المسائل الاجتماعية (فقط) كمحاربة السينما وبقية الفنون فصرفوا أذهان المجتمع عن السياسية.. صارت قضية القبل في السينما فأكمل السادات في مشروعه دون عثرات.

صادف أيضاً في الثمانينيات أن بدأت الحرب الجهادية في أفغانستان فنشأت الحاجة إلى منابر تروج لهذه الحرب. لا يمكن الاعتماد على الصحافة أو المثقفين عامة للاضطلاع بهذه المهمة التي لا يقرونها. فقامت بدورها في الحرب الأفغانية على أكمل وجه ثم أخذت بعداً اجتماعياً. ولأنها سهلة بالنسبة للبعض لا تتطلب علماً شرعياً أصيلاً ولا تتطلب تخصصاً معيناً ولا تتطلب معرفة جادة بأي موضوع انبرى لها آلاف الرجال ومؤخراً نساء أيضاً. مجرد لحية كثيفة وقدرة على الخطابة والتحدث أمام الجموع وربط كل ما تريد أن تقوله بالدين دون تدبّر. بدأت تجتذب أصحاب المواهب الخطابية ومن تتملكه طموحات اجتماعية أو مالية أو سلطوية بأقل التكاليف. ثم توسع هذا اللقب إلى ان اجتذب المطربين الشعبيين والتائبين من قضايا عدلية.

يمكن أن نقسّم الدعاة اليوم إلى طبقتين رئيسيتين؛ طبقة دعاواها اجتماعية، والأخرى سياسية. ويقع بينهما طيف من الدعاة يشكلون جسراً بين الطبقتين. هذا الطيف أرقى طموحاً وثقافةً من الاجتماعيين ولكنهم أدنى من الدعاة السياسيين.

تخصص بعض دعاة الطبقة الاجتماعية في موضوع الجن والسحر ومكافحة الموبقات كشرب الخمر وتكسير الآلات الموسيقية وتقديم الأوصاف التفصيلية عن الحور العين والوصيفات الخ. من السهل أن تلاحظ أن أكثر من انضم إلى هذه الفئة هم من البسطاء والأدنى وعياً بالواقع. أما القسم الثاني فقد تخصص في السياسية بشكل مباشر أو غير مباشر. أصحاب مشاريع وملحقين. ستعرف الداعية الملحق عندما تلاحظ أنه يشتم الطوائف الإسلامية على منبر ويتحدث عن الجن على منبر آخر ثم على منبر ثالث يتحدث عن الخلافة والأمة والنصر والتمكين والجهاد ويقف عند هذا فتأتي فئة الدعاة السياسيين الحزبيين أصحاب المشاريع فتركب هذه البرمجة الشعبية على واقع سياسي؛ الربيع العربي، الإخوان، تمجيد تركيا، ودور قطر.. إلخ.