بات (مفهوم الأيديولوجيا) كتابا مرجعياً في موضوعه بوصفه أول كتاب

في الأدب العربي الحديث يتخصص لمناقشة مفهوم الأيديولوجيا بغض النظر عن جانب الاتفاق أو جانب الاختلاف الجزئي أو الكلي..

تقدم الخبرة الفكرية المغربية مناقشة مهمة حول مفهوم الأيديولوجيا مبنىً ومعنىً، ولعلها الخبرة الأهم في ساحة الفكر العربي المعاصر، خاصة وأنها جمعت بين ثلاثة من أقطاب الفكر المغربي هم الدكتور عبدالله العروي صاحب مشروع المفاهيم، والدكتور محمد عزيز الحبابي صاحب فلسفة الشخصانية، والدكتور طه عبدالرحمن صاحب الفلسفة الأخلاقية.

ومتى ما اجتمع هؤلاء الثلاثة على قضية تأكدت أهمية هذه القضية وتعاظمت قيمتها، وأثمرت نقاشا جادا يليق بمنزلة هؤلاء المفكرين الكبار الذين من النادر اشتراكهم في قضية واحدة نقاشا وجدلا ومناظرة.

وأمام هذه القضية، انفرد كل واحد من هؤلاء الثلاثة باجتهاد يستقل به عن الآخر تغايرا واختلافا، وذلك بعد اشتراكهم واتفاقهم على ضرورة إبدال كلمة أيديولوجيا بكلمة أخرى تكون أقرب إلى اللغة العربية لسانيا وفكريا وروحيا.

وبعد الفحص والنظر استحسن الدكتور العروي كلمة أدلوجة، بينما استحسن الدكتور الحبابي كلما فكرلوجيا، في حين استحسن الدكتور طه كلمة فكرانية.

بدأت القضية من الدكتور العروي الذي يعد أحد أبرز المفكرين العرب المعاصرين عناية بدراسة وتحليل مفهوم الأيديولوجيا، وقدم إسهاما اتسم بالحفر اللغوي والفكري والتاريخي العابر بين الأزمنة والخبرات، ومستندا بصورة رئيسة إلى التجربة الفكرية الأوروبية الحديثة والمعاصرة التي جاء منها المفهوم نشأة وتطورا، وهو الإسهام الذي رجع وسيرجع له كل من يحاول الاقتراب من هذا المفهوم فكريا ونقديا ولسانيا في المجال العربي.

حضر مفهوم الأيديولوجيا عند العروي وتركز بصورة رئيسة في ثلاثة مؤلفات معروفة، وبحسب تعاقبها الزمني في الصدور هي: كتاب (الأيديولوجيا العربية المعاصرة) الصادر باللغة الفرنسية سنة 1967م، وفي ترجمته العربية الأولى سنة 1970م، وهي الترجمة التي خطأها العروي ولم يكن راضيا عنها، الثاني كتاب (العرب والفكر التاريخي) الصادر سنة 1973م، الثالث كتاب (مفهوم الأيديولوجيا) الصادر سنة 1980م.

عندما أصدر العروي كتاب (الأيديولوجيا العربية المعاصرة)، لم يجد كتابا سابقا عليه في التأليفات العربية متبنيا اسمية الأيديولوجيا إلا كتابا واحدا للكاتب اللبناني الدكتور نديم البيطار (1924-2014م) هو كتاب (الأيديولوجية الإنقلابية) الصادر سنة 1964م، ومع أنه كتاب ضخم قاربت عدد صفحاته ألف صفحة، مع ذلك لم يجد فيه العروي ما كان يفتش عنه عربيا، فهو لا يقدم في نظره تحليلا منهجيا مفصلا لمفهوم الأيديولوجيا، ولم يسهم بأي دور في تمحيص هذا المفهوم، لذا يرى العروي أن كتابه هو الأهم في المجال العربي المعاصر، وهو الأهم حتى في رأي النقاد العرب مشارقة ومغاربة.

وقد ميز العروي كتابه عن كتاب البيطار من جهة المنهج، وعكس في نظره اهتماما أكبر بمسألة المنهج، ولذا اعتنى العروي في مقدمة الكتاب بتوضيح ما يعنيه من استعمال مفهوم الأيديولوجيا، ورأى أنه يستعمل في معان ثلاثة هي:

أولا: ما ينعكس في الذهن من أحوال الواقع انعكاسا محرفا بتأثير لا واع من المفاهيم المستعملة.

ثانيا: نسق فكري يستهدف حجب واقع يصعب وأحيانا يمتنع تحليله.

ثالثا: نظرية مستعارة لم تتجسد بعد كليا في المجتمع الذي استعارها لكنها تتغلغل فيه كل يوم أكثر فأكثر، وبعبارة أدق أنها تلعب دور الأنموذج الذهني الذي يسهل عملية التجسيد هذه. وهذا المعنى الثالث هو الذي استعمله العروي بكثرة في كتابه (الأيديولوجيا العربية المعاصرة).

وحين التفت العروي لكتابه (العرب والفكر التاريخي) مقارنا بينه وبين كتاب الأيديولوجيا، رأى أن كتاب الأيديولوجيا قدم أوصافا لنماذج الأيديولوجيا العربية المعاصرة بالنظر إلى مضامينها، وفي الكتاب الثاني حصل ارتقاء إلى مستوى أعم يحدد الأيديولوجيا بالنظر إلى الدور التاريخي الذي تظهر فيه، فهو بمثابة نقد أيديولوجي للأيديولوجيات العربية متبعا منهجا يرى فيه العروي أكثر وفاء للفكر التاريخي.

وعلى أثر كتاب (الأيديولوجيا العربية المعاصرة)، انبثق سؤال: ما هي الأيديولوجيا؟ وكان من الطبيعي أن يتولد هذا السؤال بعدما أصبحت الأيديولوجية تمثل إشكالية على الصعدين الاجتماعي والسياسي في المجال العربي، وبات يثار الحديث عنها لسانيا ومفهوميا، فكريا وتاريخيا.

ومن حسن الحظ أن اتجه هذا السؤال إلى الدكتور العروي، ولعله أول من تصدى له، وأولى من كان ينبغي أن يتصدى له بعدما فتح الحديث عن الأيديولوجيا كإشكالية في ساحة الفكر العربي المعاصر.

وأمام هذا السؤال فحصا وتنقيبا جاء كتاب (مفهوم الأيديولوجيا)، فاتحا به العروي أول عمل في مشروع سلسلة المفاهيم التي صدرت وتتابعت وضمت إلى جانب الأيديولوجيا مفاهيم: الحرية والدولة والتاريخ والعقل.

ومثل (مفهوم الأيديولوجيا) الكتاب المرجعي الذي بسط فيه العروي وحدد تقريبا كامل رؤيته أو رؤيته المكتملة أو شبه المكتملة لهذا المفهوم، وبات يعد كتابا مرجعيا في موضوعه بوصفه أول كتاب في الأدب العربي الحديث يتخصص لمناقشة مفهوم الأيديولوجيا بغض النظر عن جانب الاتفاق أو جانب الاختلاف الجزئي أو الكلي.

والكتاب في الأصل هو محاضرة بعنوان (ما هي الأيديولوجيا؟) ألقاها العروي بكلية الآداب في الرباط بإشراف الجمعية الفلسفية المغربية التي اقترحت عليه الموضوع بصيغة السؤال المذكور.

وابتداء يرى العروي أن أي بحث مهما بلغ من الطول لا يمكن أن يضع حدا لجميع التساؤلات حول هذا الموضوع، والسبب في نظره أن مفهوم الأيديولوجيا ليس مفهوما عاديا يعبر عن واقع ملموس فيوصف وصفا شافيا، وليس مفهوما متولدا عن بدهيات فيحد حدا مجردا، وإنما هو مفهوم اجتماعي تاريخي يحمل في ذاته آثار تطورات وصراعات ومناظرات اجتماعية وسياسية عديدة، ويمثل تراكم معان.

وبشأن محاولته وما يريد منها، يرى العروي أنه حاول رسم الخطوط العريضة لخلفيات مفهوم الأيديولوجيا متوخيا المعاني المضمنة فيه، والتي تستولي على ذهن كل من يستعمله اليوم، حتى ولو لم يكن واعيا بها، راجيا أن يتم في المستقبل استعمال هذا المفهوم في الحدود اللائقة به، إن لم يتم الاستغناء عنه بالمرة.

وللحديث تتمة..