إلى عهد ليس بالبعيد، كانت هناك صناعات محلية تزدهر مع أكل لحوم الأضاحي .

فإن أطللنا لحظة على طرق العيشة في الحياة اليومية فسنجد أن ثمة كسبا أهليا موسميا يطل مع المناسبات كعيد الأضحى مثلا. واحدة من تلك الإطلالات أن الأسرة تختار القصاب (مقالة بمناسبة عيد الأضحى المبارك). أقول تختار القصاب الذي يبذل عناية قصوى على سلخ الجلد بحيث يُعاد استعماله كغرض مهم من أدوات الحياة اليومية الأسرية. كان القصاب يُسلّم الجلد (جلد الضان) دون ثقوب أو سوء توازن، كاملا من جميع النواحي. تُرسلهُ الأسر إلى الدباغ (المدبغة).

لا أحد يتعاطى دباغة جلود الأنعام ، لأنها وماينتج عنها من روائح في المنزل، مهمة صعبة.. والأغلب منها ( الدباغة) لا تُجرى في المنازل تُجرى في المنزل، بل هناك أحواش متخصصة يستقبلونها. وهي صعبة خاصة في التعامل مع الروائح الناتجة عنها.

الدباغة هى عملية تحويل جلد الحيوان بعد سلخه إلى منتج مفيد. عملية الدباغة تحفظ الجلد من التعفن وتعطيه مرونة ومتانة. وهي ذات استخدام واسع فإلى جانب تدخل بعض الجلود المدبوغة في صناعة الأحذية ذات الرقبة والأحزمة والقفازات والمعاطف والقبعات والقمصان والبنطلونات. كانت تقريبا الأداة الوحيدة لصناعة اللبن والزبدة، كذلك كانت أيضا وعاءً عملياً لحفظ مياه الشرب في المنازل (القربة) ورفيقة الأسفار، وقد منحها الله ميزة تبريد الماء أيام الصيف إذا عُلّقت في ممر تيار هوائي. أو على جانب الراحلة أو السيارة. وتكثر القِرَبُ في المساجد أيام الصيف.

وواضح أن أهلنا في الحجاز توصلوا إلى طريقة عملية لحفظ ماء الشرب حيث استعملوا الزير و»الشّربة» بدلا من القربة وهم أيضا يضعونها في ممر تيار يُساعد على برودتها. مع أن لديهم جلود الهدي والأضاحي، إلا أن عملية جمعها ودباغتها قد لا تناسبهم. أو أنهم يجمعونها لصالح صناعات أخرى، تُسلّم إلى مصانع بدلا من (دبابيغ).

في عنيزة – أذكر – توجد محلة ليست كبيرة، لكن البيوت يقطنها دبابيغ مهروا في تحضير الجلود التي تُستعمل لتحضير اللبن والزبدة. وعليهم إقبال شديد أيام عيد الأضحى، وذكاؤهم دلهم على المادة التى تمزج مع مياه الدباغة لإزالة الرائحة وجعل (السقا) وهو أداة تحضير اللبن ذا رائحة مقبولة. بعد انتهاء العمل من الدباغ تذهب العملية إلى الخراز. ويُسلّم عميله وعاءً جرى تربيطهُ بسيور الجلد لمنع التسرّب. ومعمول باتقان وحرفية.

وهكذا صناعات تزدهر مع أكل لحم الأضاحي. ويا الله لك الحمد والمنّة.