عُرف الأحنف بن قيس -رحمه الله- بالحلم والسؤدد في قومه، وهو ممن أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم -وإن لم يلقه- ووفد على عمر رضي الله عنه. لكنه في هذا الموقف الذي يخاطب فيه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يكشف عن نظر اقتصادي يؤدي إلى رفع مستوى معيشة الإقليم الذي يعيش فيه: "البصرة" وقد بدأ بعقد مقارنة ما بين الأقاليم التي تحيط بإقليمه، ثم مقدماً رؤية عن إقليمه وفق موارده ثم منتهياً إلى تقديم الحلول، هذا بغض النظر عن البعد الأخلاقي العظيم في هذا الموقف.

قال الشعبي: وفّد أبو موسى وفداً من البصرة إلى عمر، منهم الأحنف بن قيس، فتكلم كل رجل في خاصة نفسه، وكان الأحنف في آخر القوم، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا أمير المؤمنين، فإن أهل مصر نزلوا منازل فرعون وأصحابه، وإن أهل الشام نزلوا منازل قيصر وأصحابه، وإن أهل الكوفة نزلوا منازل كسرى، ومصانعه في الأنهار والجنان، وفي مثل عين البعير وكالحوار في السلى، تأتيهم ثمارهم قبل أن تبلغ، وإن أهل البصرة نزلوا في أرض سَبَخة، نشاشة، لا يجف ترابها، ولا ينبت مرعاها، طرفها في بحر أجاج وطرف في فلاة، لا يأتينا شيء إلا في مثل مريء النَّعامة، فارفع خسيستنا، وانعش وكيستنا، وزد في عيالنا عيالاً، وفي رجالنا رجالاً، وصغّر درهمنا، وكبّر فقيزنا، ومر لنا بنهر نستعذب منه: فقال عمر: عجزتم أن تكونوا مثل هذا، هذا والله السيد. قال الشعبي: فمازلت أسمعها بعد. أي أصبح "السيد" لقباً للأحنف بعد وصف عمر له بذلك. ولذلك كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري أمير البصرة وهو صحابي: إئذن للأحنف بن قيس، وشاوره واسمع منه. وفي المقال القادم نقرأ الرؤى الاقتصادية للأحنف في مقالته هذه.