بدأت الصحافة من أول السلم، كما يقولون، جمعت الأخبار وكتبت التقارير والتحقيقات الصحفية، وأجريت المقابلات مع كافة الشرائح الاجتماعية، وكان شعاري - أو هذا ما أريد لنا لقلة المال وتواضع الإمكانات - الصحافة للصحافة، وكنا نحصل على المكافآت، حسب التساهيل، ولم يكن يزيد راتب المحرر على الألف ريال، وأغلب العاملين في الصحف، كانوا يعملون من بعد الغروب، وحتى الهزيع الأخير من الليل، بنظام الدوام الإضافي، وكان من هؤلاء المدرس، والموظف، وصاحب العمل الخاص، لكنهم جميعا، كانوا يرفعون شعار "الصحافة للصحافة!"، أما أنا فقد كنت طالبا في الصباح، وصحفيا في المساء، في هذا الجو المليء بالأمل في غد أفضل، تعرفت على الكثير من الزملاء، بعضهم انسحبوا مبكرا، وبعضهم انتقل إلى صحف أخرى، وبعضهم استمروا، ووصلوا إلى مراكز جيدة، ومن هؤلاء المرحوم "محمد العجيان"، كنت أشعر، بقربي منه، وانا ابن "مجلة اليمامة "آنذاك، وهو ابن "جريدة الرياض"، الصامت، والذي يطلق النكات، ويدبر المقالب، وعاشق للصحافة، في وقت كان أغلب المنضوين في هذه المهنة من ذوي الميول الأدبية أو الرياضية، الذين أدركتهم، أو أدركوا حرفة الصحافة، العجيان كان صحفيا فقط، وقد أحسست بهذا القرب، بعد أيام من بدء تعاوني مع "مجلة اليمامة، وهو الوحيد الذي قدم لي دعوة للغداء في منزله، بحجة تعريفي على المائدة النجدية، وتخليصي ولو ليوم واحد من أكل "الحلة"، أما رفيق دربه "صالح الصويان"، وكان يعمل معه في الجريدة فقد، قدم لي سيارة "كورلا" جديدة بالتقسيط المريح، وهي خدمة لا يقدمها لطالب مفلس، إلا ذوو النفوس العامرة بالصدق والمودة. كانت البيئة الصحافية آنذاك جيدة، الصراعات قليلة، والتنافس على إجادة المهنة كان كبيرا، لكن الصحف في المملكة عموما، كانت تفتقر إلى المهنية العالية، وحين يرصد الناظر من بعيد، لا يستطيع أن يعد إلا القليل، الذين يمكن أن تطلق عليهم أبناء صاحبة الجلالة الصحافة، ومن هؤلاء "محمد العجيان ومحمد صلاح الدين وأحمد محمود وعبدالله خياط ومحمد علي حافظ، وتركي السديري"، هؤلاء كانوا يقدمون صحافة، عمادها الخبر والتقرير والتحقيق والحوار، وقد لقوا في مسيرتهم عنتا كبيرا، لكنهم في المقابل ساهموا في الارتقاء بالمهنة، وساهموا في إخراج أجيال صحافية عديدة، تذكرهم فتشكرهم، وسوف أدلل على حرفية "محمد العجيان"، بواقعة بسيطة، فقد حدثت حرب أكتوبر (1973م ) أثناء زيارة لي في مصر، وقد عدت إلى الرياض بعد الحرب بأيام، وحالما دخلت الرواق، الذي يضم "مجلة اليمامة وجريدة الرياض ومجلة الدعوة،" طلبني "محمد العجيان" وكان وقتها مديرا للتحرير، وطلب مني بإلحاح أن أكتب شيئا عن الحرب، قلت له "مالي أنا ومالها!"، لقد كنت في القاهرة، باحثا عن السينما والمسرح والكتب، وقطعت علي الحرب، كل ما ذهبت باحثا عنه، فقال وهو يضحك "إذا اكتب ما تقول، وأضف عليه كلاما، عن استقبال الناس للحرب، وعن أجواء القاهرة، ومطار القاهرة، اكتب كل ما يخطر في بالك ودع الباقي علينا!" ولم يتركني، إلا بعد أن كتبت ما طلب، وقد نشر ما كتبته في اليوم التالي، حدث ذلك وأنا لم أكن عاملا في "جريدة الرياض"، وكان مجالي في "مجلة اليمامة" محصورا في الشؤون المحلية! وقد كانت تلك المساهمة أو الطلب، هو الباب، الذي دخلت منه إلى كتابة التقارير الصحفية، وكان هذا اللون الصحفي، نادرا في الصحافة المحلية، لكنها لمسات العجيان!

حتى عندما ترك "محمد العجيان" العمل في الصحف، عمد إلى تأسيس وكالة، تعنى بالتقارير والمراجعات الإعلامية، وهي وكالة "نبراس للإعلام"، وأسس جريدة يومية، صدرت أسبوعيا بشكل مؤقت، وكانت تحرر في الدمام، وتطبع في قبرص، لتوقف تراخيص إصدار الصحف في المملكة، وأسس أيضا "مطابع العصر"، كل هذه الأنشطة تدل على شيء واحد، وهو أن هذا الرجل، مثل السمكة، لو خرج من بحر الصحافة لمات إعلاميا، لذلك حرص وهو يودع العمل المباشر، في المؤسسات الصحفية، أن تكون له صحافته الخاصة. "محمد العجيان" كان قريبا من الناس، ولذلك أحبه الناس، خصوصا ناس المجتمع الإعلامي، ولم أستغرب أبدا ذلك التفاعل، مع الكلمة التي كتبتها في "الفيس بوك"، من إعلامي المنطقة الشرقية، الذين عملوا معه، عندما كان رئيسا لتحرير "جريدة اليوم"، مات "محمد العجيان" وبقيت روحه معنا، ومعنا هذه تخص كل من قدم له "محمد العجيان" درسا في المهنة، والمحبر واحد من هؤلاء، والسؤال الذي أطرحه على "أمانة مدينة الرياض"، لماذا لا تسمي الأمانة شارعا باسمه، وبجانب منزله الذي عاش فيه سنواته الأخيرة وحوله، عديد من الشوارع، وهو طلب يتكرر، كلما انتقل إلى الدار الآخرة، علم من أعلامنا، رحم الله "محمد العجيان"، وغفر الله لنا، تقصيرنا معه، ومع جيله، من إعلاميي الصحافة والإذاعة والتلفزيون!