يقرأ الأطفال دون الثامنة في أوروبا ما لا يقل عن قصتين شهريا، فيما يقرأ من هم أكبر بقليل أي بين الثامنة والثالثة عشرة أكثر من أربعة كتب أدبية خلال الموسم الدراسي خارج مقرراتهم ، ويقتنون خلال عطلات الصيف ما يعادل هذا العدد. وحسب إحصائيات تخللت دراسة معمقة وطويلة صدرت عن جامعة " ليل" الفرنسية تبيّن أن الأطفال يحبون الكتاب الورقي، ومن بين كل ستة أطفال هناك أربعة يحبون القراءة. لكن تعاطيهم مع القراءة بشكل منتظم مرتبط بعدة عوامل مهمة أولها علاقة الطفل بالكتاب من خلال والديه. إذ يمكن للطفل أن ينجذب للكتب من خلال منظرها الخارجي في عمر لاحق، لكن زرع فكرة القراءة تعود لوالديه أولا، لذا إن لم يخصص الأهل لأولادهم ساعة لقراءة القصص منذ عمر مبكّر جدا فإنه من الصعب أن يفرضوها عليهم في عمر متأخر.

وحسب دراسة أخرى قام بها موقع " ألتيا" فإن القراءة بالنسبة للأطفال " فعل عظيم ومهم جدا" وأن الآباء الذي يقرأون في البيت أمام أولادهم يعطون انطباعا جيدا عن أنفسهم لأبنائهم، فالطفل بشكل فطري يحب الكتاب، ويحترم صاحبه، بالتالي فإن الأطفال يعكسون في سلوكهم في الغالب صورة آبائهم إن أحبوا الكتاب أو كرهوه.

العامل الثاني يتعلّق بنوع القصّة، ونوعية رسوماتها، إذ يبدو أن الأطفال إلى عمر الخمسة عشرة يحبون قصصا مصحوبة برسوم ملونة جميلة، وتلعب الصورة دورا مهما جدا لتقريب محتوى النّص المكتوب للطفل وشرحه بطريقة تتناسب مع قدراته الإدراكية. وتحت هذا الباب يجب أن نشدد على الألوان الزاهية الجميلة، لأنها الأقرب إلى نفسه.

أما العامل الثاني فهو محتوى القصّة، وهو جد مهم، فكلما احتوت القصة على مغامرة واستكشاف ومنافسة وانتصار، حمست الطفل لقراءتها أو سماعها، فالطفل في هذا العمر يحب الحركة، ومعرفة كل شيء جديد، كما يحب النهايات السّعيدة، فالقتل والتدمير والخطف وافتراس الحيوانات المتوحشة لأبطاله شيء يكرهه، ويخيفه، وهذا ما جعل المشتغلين في هذا الميدان في الدول المتقدمة ينقحون موروثهم القصصي من مشاهد العنف والتخويف التي كانت تعج بها الأساطير القديمة، وأنتجوا قصصا ينتصر فيها الخير مهما كان حجم الشر ضخما.

وحسب معطيات سيكولوجية قيّمة في الدراستين سابقتي الذكر فإن أكثر الكتب نجاحا لجذب الطفل هي تلك التي تروي فضوله وتجيب على أسئلته و تحرّك مخيلته. أما الكتب التعليمية المدرسية فإنّها تثقل كاهله كما كل شيء مرتبط بالمدرسة والتدريس.

وبدون شك فإن المنهج التعليمي المباشر، يجعل الطفل تحت سيطرة ضاغطة تزعجه، لكن القصة تفعل ذلك بشكل غير مباشر من خلال سرد حكايات الآخر - الذي ليس هو- وتضعه في موضع العارف لا في موضع " المخطئ" الذي يجب أن يُهذّب بالقوة، وفسحة الحرية تلك والمتمثلة في المسافة الوهمية البعيدة بينه وبين أبطال القصص كفيلم بترتيب أفكاره وتصحيح الخطأ في رأسه دون توجيه إصبع الاتهام له.

الجدير بالذكر أن الطفل في عمره الباكر يعرف الكتاب الذي يريده، فما على الأهل سوى اصطحاب أولادهم للمكتبات ومنحهم حرية الاحتكاك بالكتاب ومتعة اقتنائه وقراءته فلا تحرموا أولادكم هذا الرّفاه قبل بلوغهم سن المراهقة وهو سن رفض كل شيء مقترح من طرف الوالدين.