حلَّ علينا الأضحى ذات عام، ونحن في بريطانيا، ورأى بعض الزملاء أن نعيد خارج لندن، وقد حجزنا فندقا بسيطا وجميلا وسط غاب في منطقة الـ (يورك شير) وكان الوقت خريفا والأجواء طيبة، ويقع الفندق أمام بحيرة وسط الغابه، وقد استأذنا بأن يسمح لنا بالشواء هناك .. ووصلنا إلى المكان قبل العيد بليلتين، معنا عوائلنا وأطفالنا، وكانت الأجواء بهيجة ورائعة، وخاصة عندما تطلع الشمس حيث تتماوج أشعة البحيرة في هدوء وسكون وقد انحدرت اليها التلال الخضراء المحاطة من أعلى بالغابة ذات الأشجار المشكلة بألوان الخريف :الأخضر والأصفر والأحمر، وقد طرزت تلك التلال بقطعان الأغنام البيضاء، وكانت التلال يقابل بعضها بعضا في شيء من التناظر والرحابة، وقد امضينا يومين رائعين هناك، حيث في النهار تتجلى الطبيعة بأبهى صورها ونحن نتنقل من البحيرة إلى الغابة إلى التلال حيث تتدفق ينابيع صغيرة ثم تنساح منحدرة إلى البحيرة...

أما في المساء فبعد التاسعة يخيم الهدوء تماما على كل شيء، فلا تسمع إلا صوت الصمت والسكون، ويتجلى لك الملكوت الكوني حيث يدخل كل شيء في سبات عميق حتى أشجار الغابة يخيل إليك أنها نائمة .. فإذا دنا الفجر تناهى إليك صوت البط الذي استيقظ في غلسة الغسق وهو يحوم فوق البحيرة محدثة اصواته تلك المعزوفة الأزلية بين الطبيعة وكائناتها الحية... واصبحنا على يوم العيد، وأخذ الأطفال زينتهم والنساء كذلك وصفت الكراسي على البحيرة، ووزعت الهدايا، وعلب الحلوى واكواب الشاي والقهوة وكانت الشمس قد أطلت من بين هضاب الغابة الشرقية مبتسمة وكأنها تحمل فرحة العيد، حيث نشط ضوؤها على الناس... وكنا في انتظار اضاحي لبعض الزملاء لنقوم بالطهي والشواء، وبعد انتظار وصلت العربة وبها الاضاحي مسلوخة ومعها جزار يحمل سكاكينه وسواطيره ليقطع الشواء، وعند إنزال الذبائح لاحظ بعض الاخوة ملاحظة غريبة وهي ان الضحايا لم تذبح ذبح السنة، وعلى الطريقة الشرعية وإنما قطعت وجزت رؤوسها من فوق!! وتجمعنا حولها مستنكرين متعجبين مندهشين... ووقعنا في حيرة إذ إن الذي قام بالذبح مسلم يعمل في إحدى المزارع وقد اعطيت له الأسماء، والوصايا وعبارات الذكر المعروفة عند الذبح.. وكثر اللغط والغضب من البعض على هذا السفاح المجرم .. واسقط في ايدينا ولم ندر ماذا نفعل !! فلم يكن بد من أن نسأل صديقنا وحبيبنا الدكتور حمد الماجد ، وكان مديرا للمركز الإسلامي ، وحينما اتصلنا به بادرنا بالضحك والسخرية والنكات كعادة ابي المعتصم .. ولكنه في النهاية قال لنا لا بأس فبعض الأئمة لا يرى حرمة ذلك... ولكننا انقسمنا إلى قسمين: قسم أخذ بفتوى ابي المعتصم فراح يشوي ويطهو وأما البعض الآخر فلم يأخذ الفتوى بطيب خاطر فاشمأزت نفسه ورضي بمطعم الفندق ...

وبعد يومين آخرين عدنا ونحن نحمل ذكريات ذلك الاجتماع الجميل والضحايا المخلعة الرؤوس والمناظر الرائعة وأصوات البط وهي تؤذن في الفجر كي يصحو الكون على يوم جديد ...

فعيدكم سعيد ، وعامكم جديد بكل ما يسر ويبهج..